الثلاثاء 12 مايو 2026 11:04 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

حسين السمنودى يكتب : روحٌ فوق القدس… حين بكى صلاحُ الدين من جديد على حال العرب والمسلمين

الكاتب الكبير حسين السمنودى
الكاتب الكبير حسين السمنودى

لم تكن ليلةً عادية في سماء الأرض…
فالريح كانت تسير مثقلةً بالأنين، والقمر يختبئ خلف غيومٍ سوداء كأنّه يخجل من رؤية ما آل إليه حال الأمة.
وفي تلك الليلة الحزينة، شاء الله أن تطوف روح القائد العظيم صلاح الدين الأيوبي فوق الأرض التي أحبّها، الأرض التي سقى ترابها بعرق الجهاد، وحلم أن تبقى راية الحق عالية فوق مآذنها إلى قيام الساعة.
طافت الروح أولًا فوق القدس…
فوق المسجد الأقصى، فوق الحجارة التي كانت تعرف وقع سنابك خيله، فوق الأزقة التي كبّر فيها المجاهدون يوم التحرير.
لكن الروح لم تجد القدس التي تركها صلاح الدين يومًا.
وجدت مدينةً تبكي…
رأت الأطفال يُنتزعون من تحت الركام، والنساء يصرخن فوق أجساد أبنائهن، والبيوت تتحول إلى رماد، والنار تلتهم الحجر والبشر والشجر.
رأت الصهاينة وقد تجبّروا في الأرض، يقتلون بلا رحمة، ويهدمون بلا خوف، ويحاصرون شعبًا أعزل لا يملك إلا الدعاء والصبر واليقين بالله.
وقفت روح صلاح الدين مذهولة…
كأنها تسأل نفسها:
أهذه هي القدس التي حاربنا من أجلها؟
أهذه هي فلسطين التي امتزجت بدماء الشهداء؟
أين الرجال؟
أين صهيل الخيل؟
أين صيحات “الله أكبر” التي كانت ترجف لها قلاع الصليبيين؟
ثم ارتفعت الروح أكثر…
وطافت فوق البلاد العربية والإسلامية.
رأت أوطانًا أنهكتها الحروب، ومدنًا مزقتها الفتن، وشعوبًا أكلها الفقر والخوف والانقسام.
رأت أمةً كانت يومًا تقود الدنيا بالعلم والعدل والكرامة، فإذا بها اليوم تتنازع على المصالح الصغيرة، وتختلف على كل شيء إلا الضعف.
رأت حدودًا فرّقت القلوب قبل أن تفرّق الأرض.
ورأت إعلامًا يزرع الفرقة، وعقولًا غارقة في التفاهة، وشبابًا ضائعين بين اليأس والهروب والخذلان.
ورأت حكامًا وشعوبًا يتحدثون كثيرًا… لكن القدس ما زالت تنزف وحدها.
كانت روح صلاح الدين تبكي…
تبكي على بغداد التي انطفأت فيها شموع العلم.
تبكي على دمشق الجريحة.
تبكي على صنعاء وطرابلس والخرطوم وغزة.
تبكي على أمةٍ تملك من الثروات ما يكفي لإطعام العالم، لكنها تعجز عن تضميد جرح طفل فلسطيني.
ثم اتجهت الروح نحو أرض الكنانة…
نحو مصر.
حلّقت طويلًا فوق النيل، فوق المآذن القديمة، فوق الأرض التي خرج منها العلماء والفرسان والقادة.
ورأت جيشًا ما زال واقفًا كالجبل، يحمل في عينيه بقايا المجد القديم، وفي قلبه عقيدة وطن لا يموت.
فتوسّمت الروح خيرًا…
كأنّ صلاح الدين تذكّر أن مصر كانت دائمًا بوابة النصر، وأنها يوم حطين كانت القلب الذي ضخّ الدم في جسد الأمة، وأن رجالها إذا نهضوا نهض التاريخ معهم.
نظرت الروح إلى الجنود المصريين وهم يحرسون الأرض والحدود، فرأت في وجوههم ملامح الرجال الذين قاتلوا قديمًا دفاعًا عن الدين والعِرض والوطن.
وتمنت…
تمنت لو يأتي يوم تعود فيه رايات التحرير من جديد، ويقف رجال الأمة صفًا واحدًا، لا تفرقهم المصالح ولا تمزقهم الخلافات.
تمنت أن ترى القدس حرة كما كانت…
أن يعود الأذان عاليًا بلا خوف، وأن يركض أطفال فلسطين في الشوارع بلا قصف، وأن تنتهي سنوات الدم والحصار والجوع.
لكن الروح، وهي تنظر إلى واقع الأمة، أدركت أن تحرير الأرض يبدأ أولًا بتحرير النفوس…
بتحرير العقول من الجهل، والقلوب من الكراهية، والأوطان من الفرقة والانهيار.
فلا القدس تُحرَّر بالصراخ وحده…
ولا الأقصى يعود بالخطب والكلمات…
بل يعود حين تعود الأمة أمةً بحق، حين يصبح العلم سلاحًا، والوحدة عقيدة، والعمل طريقًا، والإيمان قوةً تدفع نحو البناء لا الهلاك.
ومع اقتراب الفجر…
ارتفعت روح صلاح الدين الأيوبي إلى السماء مرةً أخرى.
ألقت نظرتها الأخيرة على القدس الحزينة، وعلى غزة الجريحة، وعلى أمةٍ أنهكها الضعف لكنها لم تمت بعد.
وكأنها كانت تقول:
“ما زال في الأمة خير…
وما دام في الأرض طفل فلسطيني يرفع حجرًا في وجه الظلم، وجندي يحرس وطنه بإخلاص، وأمّ تدعو بالنصر في جوف الليل… فإن فجر التحرير لا بد آتٍ، ولو بعد حين.”
ثم عادت الروح إلى حيث أمرها الله…
وبقيت القدس وحدها، تنتظر رجالًا يشبهون صلاح الدين… أو يشبهون الحلم الذي تركه خلفه.
وفي النهاية....
لم تكن روحُ صلاح الدين الأيوبي حزينةً فقط على احتلال أرض، بل كانت تبكي على احتلال العقول، وعلى أمةٍ أرهقها التشتت حتى نسيت طريقها الحقيقي.
فالقدس لم تسقط يوم دخلها الغزاة وحدهم، بل سقطت يوم تفرقت القلوب، وضعفت النفوس، وأصبح بعض أبناء الأمة يخشون قول الحق أكثر من خشيتهم للباطل نفسه.
لقد رأت الروح أمةً تمتلك كل شيء…
تمتلك التاريخ، والعقيدة، والثروات، والموقع، والملايين من الشباب القادرين على تغيير وجه العالم، لكنها في الوقت نفسه غارقة في خلافات صغيرة، وصراعات أنهكتها، حتى أصبح العدو يعرف نقاط ضعفها أكثر مما تعرف هي نفسها طريق قوتها.
ورأت فلسطين…
تلك الأرض التي لم تعد مجرد قضية، بل أصبحت جرحًا مفتوحًا في ضمير الإنسانية كلها.
رأت الأمهات وهنّ يودعن أبناءهن بلا دموع من شدة القهر، ورأت أطفالًا وُلدوا تحت القصف، وكبروا وسط الدمار، وحلموا فقط بليلة هادئة بلا طائرات ولا صواريخ ولا خوف.
رأت شعبًا أعزل يحاول أن يعيش، بينما العالم يتحدث كثيرًا، ويصمت أكثر.
وربما كانت أكثر اللحظات ألمًا، حين رأت الروح أن بعض أبناء الأمة اعتادوا الحزن حتى صار خبر الموت عابرًا، وصار مشهد الدم مألوفًا، وكأن القلوب أنهكها العجز حتى فقدت قدرتها على الصراخ.
لكن رغم كل هذا السواد…
لم تنطفئ شعلة الأمل تمامًا.
فالروح، وهي تغادر سماء الأرض، رأت في زوايا الأمة نورًا خافتًا ما زال يقاوم الانطفاء.
رأت شبابًا يحلمون بالنهوض، وعلماءً مخلصين، وأمهات يربين أبناءهن على الكرامة، وجنودًا يسهرون دفاعًا عن أوطانهم، وشعوبًا ما زالت تؤمن أن للحق يومًا يعود فيه منتصرًا مهما طال الليل.
ورأت في أرض الكنانة، مصر، ذلك القلب الذي كلما ظن الناس أنه تعب عاد فنهض من جديد.
رأت جيشًا ما زال يحمل معنى الدولة، ومعنى البقاء، ومعنى التضحية، وكأن التاريخ يهمس بأن لهذه الأرض دورًا لا ينتهي، وأنها كانت وستظل حصنًا للأمة حين تضيق بها الأيام.
لقد فهمت روح صلاح الدين أن النصر الحقيقي لا يبدأ من ساحة القتال فقط، بل يبدأ من بناء الإنسان…
من تعليم طفل، ومن إحياء ضمير، ومن كلمة حق، ومن وحدة صف، ومن أمة تؤمن أن قوتها في اتحادها لا في تفرقها.
فالقدس لن يحررها الغضب وحده، ولا الشعارات وحدها، بل يحررها رجال يملكون العلم كما يملكون الإيمان، ويملكون الإرادة كما يملكون الشجاعة.
رجال يعرفون أن بناء الأوطان طريق طويل، وأن الأمم لا تعود عظيمة بالأماني، بل بالعمل والصبر والتضحية.
وهكذا رحلت الروح…
لكنها تركت خلفها سؤالًا ثقيلًا يتردد في سماء الأمة كلها:
متى يعود المسلمون أمةً واحدة كما كانوا؟
ومتى يصبح الدم الفلسطيني دم الجميع، لا خبرًا عابرًا في نشرات الأخبار؟
ومتى تستيقظ الأمة من غفلتها لتدرك أن التاريخ لا يرحم الضعفاء، وأن الأمم التي تنشغل بصراعاتها الصغيرة تُؤكل قطعةً قطعة؟
وربما سيأتي يوم…
يقف فيه طفل فلسطيني فوق تراب القدس المحررة، ويرفع علم بلاده نحو السماء، بينما ترتفع تكبيرات الحق من جديد، وحينها فقط ستبتسم روح صلاح الدين الأيوبي، بعدما طال حزنها، وتعلم أن الأمة التي تعثرت كثيرًا… لم تمت أبدًا.
لكن روح صلاح الدين الأيوبي قبل أن تغادر سماء الأمة للمرة الأخيرة، لم تحمل في قلبها غضبًا فقط، بل حملت أمنياتٍ عظيمة للعرب والمسلمين، أمنيات قائدٍ عرف معنى النصر الحقيقي، وعرف أن الأمم لا تقوم بالسيوف وحدها، بل تقوم بالإيمان والعلم والعدل ووحدة الصف.
تمنت أن ترى المسلمين وقد عادوا إخوةً كما كانوا، لا تفرّقهم حدود، ولا تمزقهم المصالح، ولا تستهلكهم الخلافات الصغيرة التي أضاعت من أعمار الأمة عشرات السنين.
تمنت أن ترى المساجد عامرةً بالعلم والعمل والأخلاق، لا بالصراخ والكراهية، وأن ترى الشباب يحملون الكتب كما يحملون الأحلام، ويصنعون الحضارة بدلًا من البكاء على أطلال الماضي.
تمنت أن ترى أطفال فلسطين يكبرون في أمان، يذهبون إلى مدارسهم بلا خوف، وينامون ليلهم بلا أصوات قصف، وأن تتحول غزة من مدينةٍ للوجع إلى مدينةٍ للحياة والكرامة والفرح.
تمنت أن ترى القدس تعود قبلةً للحرية، يعلو فيها الأذان مطمئنًا كما كان، وتعود شوارعها مليئة بالمصلين والزائرين، لا بالدخان والرصاص ودموع الأمهات.
وتمنت أن ترى العرب وقد أدركوا أن قوتهم الحقيقية ليست في كثرة الكلام، بل في الاتحاد والعمل والإخلاص، وأن الأمة التي تتوحد تستطيع أن تواجه الدنيا كلها مهما كانت التحديات.
تمنت أن ترى العلماء في مكانتهم الحقيقية، والمعلمين مكرّمين، والعدل قائمًا بين الناس، والفقراء يجدون من يرحمهم، والمظلوم يجد من ينصره، والإنسان العربي يعيش مرفوع الرأس في وطنٍ يحفظ كرامته ولا يقتل أحلامه.
ورأت روح صلاح الدين أن مصر ستظل قلب الأمة النابض، وأن جيشها سيبقى حصنًا منيعًا، وأنها كلما مرت عليها المحن عادت أقوى وأكثر صلابة، لأنها أرضٌ عرفت معنى التضحية منذ فجر التاريخ.
وتمنت أن يأتي يوم تقف فيه الجيوش العربية والإسلامية صفًا واحدًا، لا من أجل الحرب وحدها، بل من أجل حماية الأوطان وبناء الإنسان وصناعة مستقبلٍ يليق بتاريخ هذه الأمة العظيمة.
كما تمنت أن يتوقف نزيف الدم في كل أرضٍ عربية، وأن تنتهي سنوات الفتن والانقسامات، وأن يدرك الجميع أن العدو الحقيقي كان دائمًا يستفيد من تفرّقهم وضعفهم وانشغالهم ببعضهم البعض.
وحين بدأت الروح ترتفع نحو السماء، كانت تنظر بحزنٍ ممزوجٍ بالأمل، وكأنها تؤمن أن هذه الأمة مهما تعبت فلن تموت، ومهما انكسرت ستنهض يومًا، لأن في داخلها بقايا نورٍ لا ينطفئ، وإيمانًا لا يضيع، وشعوبًا ما زالت تؤمن بالله وبالحق وبعودة الكرامة.
وكأن روح صلاح الدين كانت تهمس قبل الرحيل:
“لا تجعلوا القدس مجرد حكاية تُروى، ولا تجعلوا فلسطين خبرًا عابرًا، بل اجعلوا من وحدتكم وعلمكم وعدلكم طريقًا للنهوض من جديد، فالأمم العظيمة لا تسقط إلا حين تستسلم، وأنتم أمةٌ كتب الله لها أن تبقى مهما اشتدت عليها العواصف.”

حسين السمنودى روحٌ فوق القدس… حين بكى صلاحُ الدين من جديد على حال العرب والمسلمين الجارديان المصريه