ضاحى عمار يكتب : أوروبا بين القلق الأطلسي وطموح الاستقلال
تدخل أوروبا مرحلة سياسية وأمنية شديدة الحساسية مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، بعدما أدركت العواصم الأوروبية أن السنوات المقبلة قد تحمل تغيرات عميقة في شكل العلاقة التاريخية مع الولايات المتحدة. فالقارة التي اعتادت لعقود طويلة الاعتماد على الحماية الأمريكية، بدأت اليوم تعيد حساباتها بصورة أكثر جدية، في ظل تصاعد المخاوف من سياسة أمريكية جديدة تقوم على تقليل الالتزامات الخارجية والنظر إلى التحالفات الدولية بمنطق المكاسب والخسائر.
ولم يعد الحديث داخل أوروبا يدور فقط حول شخصية ترامب أو تصريحاته المثيرة للجدل، بل أصبح النقاش أوسع وأعمق، ويتعلق بمستقبل النظام الغربي كله، وحدود الدور الأمريكي، وقدرة أوروبا على حماية أمنها ومصالحها إذا قررت واشنطن تقليص حضورها العالمي أو إعادة ترتيب أولوياتها الدولية بصورة مختلفة.
ومع كل تصريح يصدر عن ترامب بشأن حلف الناتو أو الإنفاق العسكري الأوروبي، تتزايد المخاوف داخل القارة القديمة من احتمال دخول العلاقات عبر الأطلسي مرحلة أكثر اضطرابًا. فالرئيس الأمريكي ينظر إلى الحلفاء الأوروبيين باعتبارهم مطالبين بتحمل أعباء أكبر، بينما ترى أوروبا أن أي تراجع أمريكي سيترك فراغًا أمنيًا خطيرًا في مواجهة التحديات المتصاعدة، وعلى رأسها التهديد الروسي.
ويرى اللواء أشرف فوزي الخبير الأمني والمحلل السياسي والعسكري، أن أوروبا تمر حاليًا بمرحلة إعادة تقييم شاملة لكل مفاهيم الأمن والتحالفات التي استقرت لعقود طويلة بعد الحرب العالمية الثانية. ويؤكد أن القارة الأوروبية أصبحت تدرك أن الاعتماد الكامل على الولايات المتحدة لم يعد خيارًا مضمونًا كما كان في السابق، خاصة مع صعود تيارات سياسية أمريكية تدعو إلى تقليص الأعباء الخارجية والتركيز على الداخل الأمريكي.
وأضاف أن الحرب الروسية الأوكرانية كشفت حجم الاعتماد الأوروبي على الدعم الأمريكي العسكري والاستخباراتي، وهو ما دفع العديد من الدول الأوروبية إلى رفع ميزانيات الدفاع بصورة غير مسبوقة، والعمل على تطوير صناعاتها العسكرية، تحسبًا لأي تغيرات مستقبلية في الموقف الأمريكي. وأوضح أن فرنسا وألمانيا تقودان حاليًا تحركات واسعة داخل الاتحاد الأوروبي من أجل بناء قدرة دفاعية أوروبية أكثر استقلالًا، دون الوصول إلى مرحلة الصدام مع واشنطن أو التخلي الكامل عن حلف الناتو.
وأشار اللواء أشرف فوزي إلى أن أوروبا لا تريد إنهاء التحالف مع الولايات المتحدة، لكنها تسعى إلى إعادة صياغة العلاقة بصورة أكثر توازنًا، بحيث تصبح شريكًا قادرًا على اتخاذ القرار وليس مجرد طرف يعتمد على الحماية الأمريكية بصورة مطلقة. كما أكد أن القارة الأوروبية أصبحت أكثر اقتناعًا بضرورة تنويع علاقاتها الدولية، سواء مع الصين أو مع قوى دولية أخرى، بهدف تقليل الضغوط الأمريكية ومنح نفسها مساحة أوسع للمناورة السياسية والاقتصادية.
وأوضح أن التحركات الأوروبية الحالية تعكس إدراكًا متزايدًا بأن العالم يتغير بسرعة، وأن النظام الدولي يتجه نحو تعدد الأقطاب، وهو ما يفرض على أوروبا تطوير أدواتها السياسية والعسكرية والاقتصادية للحفاظ على مكانتها العالمية. ويرى أن السنوات المقبلة ستشهد سباقًا أوروبيًا واسعًا لإعادة بناء القدرات الدفاعية والاستراتيجية، لأن القارة تشعر بأنها أمام اختبار تاريخي يتعلق بمستقبل نفوذها ودورها الدولي.
ومن جانبه، أكد العقيد هاني الحلبي المحلل السياسي والعسكري، أن أوروبا تواجه أزمة ثقة حقيقية في العلاقة مع الولايات المتحدة، موضحًا أن المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بعودة ترامب، وإنما بوجود تحول أوسع داخل المجتمع والسياسة الأمريكية تجاه الحلفاء التقليديين. وأضاف أن قطاعات واسعة داخل الولايات المتحدة أصبحت ترى أن أوروبا استفادت لسنوات طويلة من المظلة الأمريكية دون أن تتحمل نصيبًا كافيًا من المسؤولية الأمنية والعسكرية.
وأشار إلى أن هذه التحولات دفعت أوروبا إلى التفكير بصورة أكثر جدية في مستقبل أمنها القومي، خاصة بعد الحرب الأوكرانية التي كشفت هشاشة الوضع الأمني الأوروبي في حال تراجع الدعم الأمريكي. وأوضح أن الأوروبيين يخشون من أن يؤدي أي انسحاب أمريكي تدريجي إلى فتح المجال أمام روسيا لتعزيز نفوذها وفرض ضغوط أكبر على القارة الأوروبية، وهو ما يفسر التوسع الحالي في برامج التسليح وزيادة الإنفاق الدفاعي داخل عدد من الدول الأوروبية.
وأكد العقيد هاني الحلبي أن أوروبا تسعى في الوقت الحالي إلى الحفاظ على تماسك حلف الناتو، لكنها تعمل في الوقت نفسه على تعزيز استقلال القرار الأوروبي داخل الحلف، حتى لا تبقى رهينة للتقلبات السياسية في واشنطن. وأضاف أن النقاش الأوروبي الحالي لم يعد يقتصر على الجوانب العسكرية فقط، بل امتد إلى الملفات الاقتصادية والطاقة والتكنولوجيا، لأن القارة أصبحت تدرك أن الاستقلال الحقيقي لا يتحقق بالسلاح وحده، وإنما ببناء منظومة متكاملة قادرة على حماية المصالح الأوروبية في عالم سريع التغير.
كما أشار إلى أن التقارب الأوروبي الحذر مع الصين يعكس محاولة لإيجاد توازن دولي جديد، يمنح أوروبا مساحة أوسع للتحرك بعيدًا عن الضغوط الأمريكية المتزايدة. لكنه أوضح في الوقت نفسه أن الأوروبيين لا ينظرون إلى الصين باعتبارها بديلًا كاملًا للولايات المتحدة، بل باعتبارها قوة دولية يمكن الاستفادة من العلاقات معها اقتصاديًا وسياسيًا، دون التفريط في التحالف التاريخي مع واشنطن.
ويرى العقيد هاني الحلبي أن المرحلة المقبلة ستكون شديدة الحساسية بالنسبة للقارة الأوروبية، لأن نجاحها في تحقيق قدر من الاستقلال الاستراتيجي سيمنحها مكانة أكبر داخل النظام الدولي الجديد، بينما قد يؤدي الفشل أو استمرار الانقسامات الداخلية إلى إضعاف الدور الأوروبي عالميًا بصورة كبيرة.
وفي ظل هذه التحولات، تبدو أوروبا وكأنها تدخل مرحلة جديدة من إعادة تعريف هويتها السياسية والاستراتيجية. فالقارة التي عاشت لعقود طويلة تحت المظلة الأمريكية، تجد نفسها اليوم أمام تحديات غير مسبوقة تفرض عليها مراجعة حساباتها بصورة كاملة. وبين الرغبة في الحفاظ على التحالف التاريخي مع واشنطن، والسعي إلى بناء استقلالية أكبر في القرار، تتحرك أوروبا بحذر شديد وسط عالم تتغير فيه موازين القوى بسرعة لافتة.
ويبدو واضحًا أن السنوات المقبلة لن تحدد فقط شكل العلاقة بين أوروبا والولايات المتحدة، بل ستحدد أيضًا ما إذا كانت القارة الأوروبية قادرة فعلًا على التحول من تابع استراتيجي إلى لاعب دولي مستقل يمتلك أدوات التأثير والحركة في النظام العالمي الجديد.












مصرع رضيع إثر انقلاب سيارة ملاكي بالطريق الصحراوي الغربي أمام مركز...
قوات الحماية المدنية تسيطر على حريق بكافيه ومطعم مأكولات شعبية في مدينة...
محافظ القليوبية يتابع حادث حريق بواجهة أحد المطاعم في العبور وقوات الحماية...
القبض على صانعة محتوى بالإسكندرية لنشرها مقاطع رقص بملابس خادشة للحياء والتلفظ...
سعر الذهب اليوم الأحد 19 أبريل 2026 في مصر
تراجع سعر الدولار أمام الجنيه المصري اليوم
استقرار سعر الدولار أمام الجنيه اليوم في البنوك المصرية
أسعار الذهب اليوم في مصر الثلاثاء 14 ابريل