الخميس 4 يونيو 2026 07:40 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

عصام بيومي يكتب من كندا: خرافة التنوير الأوروبي

الكاتب الكبير عصام بيومى
الكاتب الكبير عصام بيومى

أخطر فكرة في حكاية ما يسمى مسيرة الفكر الغربي كانت وما تزال هي فكرة "الانبعاث الذاتي" للتنوير. لماذا؟ لأنها "تخفي وراءها أكبر وأحقر سرقات التاريخ بأسره، وتحجب حقيقة "خرافة" ما سُمي عصر التنوير الأوروبي. فما يسمى "عصر التنوير" يقدم في الوعي الغربي وحتى "العربي الأسير"، بوصفه لحظة الميلاد الشرعي للعقل والعلم والحرية. وما زلت أتذكر مقدار الزهور الذي كان يحمله ذلك البروفيسور "الأنجلوساكسوني" وهو يتفاخر كذبا بأن " الحضارة الغربية هي امتداد الفكر اليوناني". وكأن أوروبا استيقظت فجأة من سُباتها وظلامها الطويل لتكتشف المنهج العلمي من تلقاء نفسها. أو على أفضل تقدير أن تراث الإغريق والرومان العقيم هو المنهل الذي نهلوا منه ذلك التنوير الكاذب.
هذه الرواية الكاذبة التي تَحوّلت إلى ما يشبه " عقيدة ثقافية"، تتجاهل حقيقة موثَّقة اعترف بها عدد من كبار مفكري الغرب المنصفين وهي أن الجانب الإيجابي في النهضة الأوروبية لم يكن إلا امتدادًا لعلوم الحضارة الإسلامية بعد سرقتها بالكامل تقريباً، سرقة محضة. وكنت قد تناولت ذلك في مقالات سابقة وفي كتابي "صناعة الكفر".
وقد اعتمدتُ في تفنيد خرافة التنوير تلك على مصادر عدة أهمها، موسوعة د. راغب السرجاني، وكتاب د. قاسم خليل، الأمريكي الباكستاني الأصل وعنوانه "الإسهام العربي في الحضارة ، مؤامرة ضد الإنسانية" 2000، وقد ترجمته بالكامل إلى اللغة العربية. وعلى أبحاث د. فؤاد سيزكين الألماني التركي الأصل. وقد أورد د. خليل في كتابه شهادات موثقة لمؤرخين وعلماء غربيين يعترفون صراحة بأن الغربيين سرقوا علوم المسلمين سرقة إجرامية مع سبق الإصرار والترصد. والغريب أنهم بعدما ارتكبوا كل جرائمهم العلمية والثقافية اخترعوا ما سموه "حقوق الملكية الفكرية"، ليغلقوا الباب أمام كل من دونهم، ويمنعوه من تحصيل أسرار تلك العلوم.
وأضيف هنا مقولة الفيلسوف البريطاني برتراند راسل الذي يقرّ بوضوح في كتابه "تاريخ الفلسفة الغربية"، 1945، بأن: الفلسفة والعلوم في أوروبا مدينة للعرب بدينٍ أكبر بكثير مما يعترف به الأوروبيون عادة. وهذا الاعتراف وحده كافٍ لنسف فكرة «الانبعاث الذاتي» للتنوير.
فالفكرة في خطاب التنوير ذاك لم تكن مجرد نقد الكنيسة، أو إلغاء سلطة الدين على العقل كما زعموا. بل كانت ادعاء القطيعة الكاملة مع كل ما كان قبله، وفي تقديم العقل الأوروبي بوصفه "الخالق" الوحيد للعلوم الحديثة. ولم يكن الهدف من ذلك بعد هدم الدين المسيحي إلا طمس نور العلوم الإسلامية ومحوها من مخيلة الشعوب الغربية ليبنوا فيما بعد خرافة تنويرهم وخرافة تخلف المسلمين.
الحقيقة التي أقر بها كل منصف من علماء ومؤرخي الغرب أن ما حدث بين القرنين الثاني عشر والخامس عشر لم يكن “تبادلًا ثقافيًا”، بل نهباً أحادي الاتجاه، من علوم المسلمين إلى أوروبا. فكما أثبت د. فؤاد سيزكين، في أبحاثه التي دامت عقوداً، فقد تُرجمت كتب المسلمين في الطب والفلك والرياضيات والبصريات، إلى اللغات الأوروبية. وحُذفت مقدماتها العقدية وغُيّبت أسماء مؤلفيها المسلمين تدريجيًا. ثم أُعيد تقديمها لاحقًا بوصفها ثمار العقل الأوروبي. هنا تحضر المستشرقة الألمانية زيغريد هونكه التي كتبت بجرأة في كتابها "شمس الله تشرق على الغرب": لقد أخذ الغرب من الحضارة الإسلامية كل شيء تقريبًا، ثم أنكر ذلك، وراح يقدّم نفسه بوصفه المعلم الوحيد للعالم.
ويعترف مؤرخو العلم الجادّون كما في كتاب د. خليل أن المنهج التجريبي الذي يُنسب لفرانسيس بيكون مثلاً، صاغ أسسه ابن الهيثم وأن الرياضيات الحديثة مدينة للخوارزمي مؤسس الجبر والخوارزميات وغيرها كثير. وأن الطب الأوروبي بقي حتى القرن السابع عشر أسير كتب ابن سينا والرازي.
وهنا يحضر المؤرخ الفرنسي غوستاف لوبون بقوله: ما قدمته الحضارة العربية الإسلامية للعلم يفوق بكثير ما نُسب لاحقًا إلى أوروبا في عصر نهضتها. فإذا كان هذا هو الحال، فلا أفهم كيف يُقال إن التنوير بدأ فقط حين تخلّص الغرب من الدين؟ وكيف ينخرط في هذا الركاب الضال أكثر مفكري العرب والمسلمين في العصور الأخيرة!
وهنا خلاصتان. الأولى أن جُل ما تراكم لدى الغرب فيما سمي عصر التنوير مسروق من المسلمين. والثانية أنهم لم يهدفوا أبدًا إلى التنوير بل على العكس هدفوا إلى "إطفاء نور الله"، وحولوا مسار العلم إلى ما يضر ولا ينفع، وغيروا مسار الفكر إلى غثاء وفلسفة... واتبعهم في ذلك كثير.
وللحديث صلة.

essam7@gmail

عصام بيومي خرافة التنوير الأوروبي الجارديان المصريه