الخميس 4 يونيو 2026 09:40 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د. محمد هناء الدين يكتب : أبو الليف المواطن الذي أخطأ فنجح

د. محمد هناء الدين
د. محمد هناء الدين

في بلادٍ إذا أردت أن تنجح فيها، فعليك أولًا أن تعتذر
تعتذر لأنك حاولت،
وتعتذر لأنك فكرت،
وتعتذر لأنك لا سمح الله مختلف.
لكن يبدو أن رجلًا اسمه نادر أنور جابر، الشهير بـ“أبو الليف”، لم تصله هذه التعليمات.
فقررفي لحظة تهور غير محسوبةأن ينجح.
وهنا بدأت المشكلة.
أبو الليف لم يأتِ من “صالونات الفن”،
ولا من حفلات السفارات،
ولا من لجان اختيار المواهب التي تختار الشكل قبل الصوت، والعلاقات قبل الموهبة.
جاء من مكان آخر تمامًا
جاء من الحياة نفسها، وهي مدرسة لا تعطي شهادات لكنها تعطي ندوبًا.
هذا الرجل، الذي قضى سنوات يعمل في كل شيء إلا ما يحب،
قرر فجأة أن يعود
لا ليطلب فرصة،
بل ليخطفها.
ظهر بشكل لا يشبه أحدًا،
وغنّى كلامًا لا يُدرّس في معاهد الموسيقى،
وتصرف كأنه لم يسمع يومًا عن “الذوق العام”.
فقال الناس
من هذا الكائن؟
هل هو مطرب أم حادثة؟
والإجابة كانت بسيطة وصادمة:
هو الاثنين معًا.
أبو الليف كان “حادثة فنية”،
لكنهاللأسف أو للدهشةنجحت.
وهنا ارتبك الجميع.
كيف ينجح رجل لا يشبه شروط النجاح؟
كيف يحبه الناس وهو لا يقدم لهم ما اعتادوا عليه؟
كيف يتحول “الهامش” إلى بطل؟
الإجابة التي لم تعجب أحدًا:
لأن الناس سئمت “المصنوع”.
نعم
في زمن امتلأ بأصوات مُفلترة، ووجوه مُركبة، ومشاعر “جاهزة للاستعمال”،
جاء أبو الليف كخطأ بشري جميل.
لم يكن يغني ليبهر
بل ليحكي.
يحكي عن التاكسي،
وعن الشارع،
وعن الحياة التي لا تظهر في الإعلانات.
ولذلك، أحبه من يعرف هذه الحياة
وسخر منه من لا يعرفها.
وهنا المفارقة العجيبة:
أن الذين ضحكوا عليه كانوا في الحقيقة يضحكون على أنفسهم.
لأن أبو الليف لم يكن يقدم فنًا غريبًا،
بل كان يقدم “نسخة غير مُجملة” من الواقع.
لكنناكعادتنانحب الكذب الجميل
ونخاف من الصدق القبيح.
ومع ذلك نجح.
نجح لأنه لم يحاول أن يكون مقبولًا،
ونجح لأنه لم يطلب الإذن،
ونجح لأنه ببساطةلم يفهم قواعد اللعبة.
وفي بلادٍ تُدار بالقواعد
يصبح الجاهل بها أخطر من المحترف فيها.
لكن، وكما يحدث دائمًا،
لم يُسامحوه على نجاحه.
مرة يسخرون،
ومرة يتجاهلون،
ومرة ينتظرون سقوطه… كما ينتظر جمهور المصارعة سقوط المصارع الذي لا يعجبهم.
لكن الحقيقة التي لا يريد أحد قولها:
أن أبو الليف سقط كثيرًا بالفعل…
لكنه في كل مرة كان يسقط “للأمام”.
وهذا نوع نادر من السقوط.
في النهاية،
لن يكتب التاريخ أن أبو الليف كان أعظم مطرب،
لكنه سيكتب لو كان منصفًا أنه كان “أجرأ محاولة”.
وفي زمنٍ يعاقَب فيه المختلف…
تلك ليست مجرد قصة نجاح.
تلك جريمة.

787be4587a67.jpg
د. محمد هناء الدين أبو الليف المواطن الذي أخطأ فنجح الجارديان المصريه