الإثنين 15 يونيو 2026 02:39 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

جمال المتولى جمعة يكتب : العمل الخيرى بين العطاء والتشكيك

الكاتب الكبير جمال المتولى جمعة
الكاتب الكبير جمال المتولى جمعة

العمل الخيرى ليس نشاطا همشيا فى حياة المجتمعات بل هو أحد أعمدتها الأساسية فى تحقيق التوازن الاجتماعى وتخفيف من حدة الفقر والاحتياج فهو تعبير مباشر عن ضمير المجتمع ومرأة حقيقية لمدى تماسكه الانسانى والأخلاقى وكل مجتمع تتراجع فيه روح العطاء تتسع فيه تلقائيا فجوة الاحتياج والحرمان .
ومع ذلك يواجه العمل الخيرى فى بعض الأحيان حالة من الجدل غير الموضوعى حيث تختلط فيه المراجعة المشروعة بالتشكيك غير المنضبط فهناك من يتعامل مع أى نشاط خيرى بعين الريبة المسبقة دون تفرقة بين العمل المؤسسى المنظم القائم على الشفافية وبين ممارسات فردية قد تخضع للخطأ أو القصور .
والمؤسف أن بعض الاصوات الناقدة لا تشارك أصلا فى منظومة العمل الخيرى ولا تقدم بدائل عملية أو حلولا واقعية لكنها تكتفى بإطلاق الاحكام العامة والتشكيك وهو ماينعكس سلبا على روح المبادرة لدى المتبرعين والمتطوعين وقد يدفع البعض الى التراجع عن الاستمرار فى العطاء خشية الاتهام أو سوء الفهم .
فى المقابل لا يمكن ولا يجوز وضع العمل الخيرى فوق النقد أو المحاسبة فالمجتمعات المتحضرة هى التى توازن بين تشجيع العطاء من جهة وضمان الشفافية وحسن الإدارة من جهة أخرى فالنقد الموضوعى القائم على الدليل هو أداه أصلاح وتطوير بينما الاتهام غير الموثق يتحول الى معول هدم يضر بالمجتمع قبل أن يضر بالاشخاص .
وقد أرست القيم الدينية والانسانية هذا المعنى بوضوح فحسن الظن أصل من أصول التعامل بين الناس والتحقق قبل الاتهام واجب اخلاقى قال الله تعالى :
"ياأيها الذين أمنوا إن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا" (سورة الحجرات)
وهذا التوجيه الالهى يؤسس لقاعدة مهمة فى ادارة الشأن العام والعمل المجتمعى وهى أن المعلومات لا تبنى على الشكوك بل على التثبت والدليل .
كما أن النبى صلى الله عليه وسلم حذر من إطلاق الظنون دون بينه لما لذلك من أثر فى تفكيك العلاقات وإضعاف الثقة داخل المجتمع وهو ماينعكس مباشرة على العمل الجماعى بكل صوره وعلى رأسه العمل الخيرى .
إن أخطر مايواجه العمل الخيرى ليس نقص الموارد بل فقدان الثقة فحين يشكك فى كل جهد دون تفريق يصاب المتبرع بالإحباط ويتراجع المتطوع ويتضرر المحتاج الذى هو الطرف الاضعف فى هذه المعادلة
لذلك فأن مسؤولية الحفاظ على العمل الخيرى مسؤولية مشتركة على القائمين عليه الالتزام بالشفافية والنزاهة وعلى المجتمع دعم هذا العمل وتشجيعه وعلى النقاد أن يميزوا بين النقد البناء والتشكيك الهدام
وفى النهاية تبقى الحقيقة واضحة : المجتمعات لا تبنى بالتشكيك فى الخير بل بحمايته وتطويره ولا تنهض بإضعاف أهل العطاء بل تشجيعهم وضبط الأداء دون هدم المعنى .

#جمال المتولى جمعة
المحامى – مدير أحد البنوك الوطنية بالمحلة الكبرى سابقا

جمال المتولى جمعة العمل الخيرى بين العطاء والتشكيك الجارديان المصريه