حسين السمنودي يكتب: ابنك ليس مجموعًا... وابنتك ليست درجة
مع اقتراب امتحانات الثانوية العامة، تعيش آلاف الأسر المصرية حالة من الترقب والقلق والاستعداد. فمع العد التنازلي لانطلاق الامتحانات، تتغير أجواء المنازل، وتزداد ساعات المذاكرة، وتتصدر أحاديث المجموع والكليات والمستقبل معظم الجلسات العائلية. ويبدو وكأن البيت كله يستعد لخوض الامتحان، لا الطالب وحده.
ورغم أن الثانوية العامة تُعد مرحلة مهمة في حياة الأبناء، فإنها ليست الحياة كلها، وليست المعيار الوحيد للنجاح أو الفشل. لكن للأسف، ما زال البعض ينظر إليها على أنها المعركة الفاصلة التي يتحدد على أساسها مصير الإنسان بالكامل، حتى أصبح كثير من الطلاب يعيشون تحت ضغوط نفسية وعصبية هائلة قبل دخول لجان الامتحان.
ومن هنا يجب أن نتوقف أمام حقيقة مهمة يغفل عنها الكثيرون وسط زحام القلق والتوتر: ابنك ليس مجموعًا... وابنتك ليست درجة.
فالأبناء أكبر من الأرقام، وأعظم من أن تُختصر أحلامهم وقدراتهم ومستقبلهم في نتيجة امتحان أو رقم يُكتب في شهادة. فالإنسان لا تُقاس قيمته بعدد الدرجات التي يحصل عليها، بل بما يملكه من أخلاق وعلم وإرادة وقدرة على مواجهة الحياة.
ومع اقتراب موعد الامتحانات، يبدأ بعض أولياء الأمور – بحسن نية أحيانًا – في ممارسة ضغوط كبيرة على أبنائهم. تتكرر الأسئلة يوميًا عن عدد ساعات المذاكرة، وما تم إنجازه من المنهج، وما هي توقعات المجموع النهائي، وكأن الطالب يعيش داخل غرفة تحقيق لا داخل منزل يفترض أن يمنحه الطمأنينة والدعم.
وتزداد الأزمة عندما تتحول المقارنات إلى جزء من الحياة اليومية. فيُقال للطالب: "ابن عمك انتهى من المراجعة"، أو "ابنة الجيران تحل امتحانين يوميًا"، أو "فلان يضمن كلية القمة". ومع تكرار هذه العبارات يشعر الطالب أنه في سباق لا ينتهي، وأن قيمته مرتبطة فقط بقدرته على التفوق على الآخرين.
والحقيقة أن هذه المقارنات لا تصنع النجاح، بل تصنع الخوف والإحباط. فلكل طالب قدراته وظروفه وطريقته الخاصة في التعلم والاستيعاب. وما يناسب شخصًا قد لا يناسب غيره. لذلك فإن تحويل الثانوية العامة إلى منافسة اجتماعية مرهقة يضاعف الضغوط النفسية على الأبناء بدلًا من مساعدتهم.
إن أخطر ما يواجه طلاب الثانوية العامة ليس الامتحان نفسه، بل الخوف المبالغ فيه من الامتحان. فالطالب الذي يدخل اللجنة وهو يحمل فوق كتفيه أحلام أسرته كلها، ويشعر أن أي خطأ قد يعني نهاية مستقبله، يكون أكثر عرضة للتوتر والارتباك وفقدان التركيز.
وفي كثير من الأحيان يتحول المنزل إلى مساحة مشحونة بالتوتر، فينعكس ذلك على الحالة النفسية للطالب. فبدلًا من أن يجد مكانًا يستريح فيه من ضغوط الدراسة، يجد نفسه محاصرًا بالأسئلة والتوقعات والقلق. وهنا يفقد الشعور بالأمان الذي يحتاج إليه في هذه المرحلة الحساسة.
ولعل ما يغيب عن أذهان الكثيرين أن التفوق الدراسي لا يتحقق بالضغط المستمر، وإنما يتحقق بالتوازن النفسي والراحة الذهنية والثقة بالنفس. فالطالب الذي يشعر بالدعم والاحتواء يكون أكثر قدرة على التركيز واستيعاب المعلومات من الطالب الذي يعيش في حالة خوف دائم من الفشل أو العقاب أو خيبة الأمل.
كما يجب أن ندرك أن النجاح في الحياة لا يتوقف على كلية معينة أو مجموع محدد. فكم من أشخاص لم يحصلوا على الدرجات التي كانوا يحلمون بها، ثم فتح الله لهم أبوابًا أخرى للنجاح والتميز والإبداع. وكم من أصحاب المجاميع المرتفعة اكتشفوا بعد سنوات أن النجاح الحقيقي يحتاج إلى الاجتهاد المستمر والمهارات الشخصية والإصرار، وليس إلى الشهادة وحدها.
إن المجتمع بحاجة إلى مراجعة نظرته للثانوية العامة. فهي مرحلة مهمة بلا شك، لكنها ليست نهاية المطاف. فالإنسان لا يُقاس بما حققه في سن الثامنة عشرة فقط، وإنما بما يقدمه طوال حياته من علم وعمل وإنجاز وأخلاق.
ومن واجب الأسرة في هذه المرحلة أن تكون مصدر أمان لا مصدر قلق. فالكلمة الطيبة، والابتسامة المشجعة، والدعاء الصادق، والابتعاد عن التوتر والمشاحنات داخل المنزل، كلها أمور تساعد الطالب أكثر مما نتخيل. وقد تكون كلمة دعم واحدة سببًا في استعادة الثقة بالنفس بعد لحظة ضعف أو خوف.
كما أن على أولياء الأمور أن يدركوا أن أبناءهم يخوضون واحدة من أكثر الفترات حساسية في حياتهم. فهم بحاجة إلى من يسمعهم ويفهم مخاوفهم ويحتوي قلقهم، لا إلى من يضيف أعباء جديدة فوق أعبائهم. فالدعم النفسي ليس رفاهية، بل ضرورة حقيقية لا تقل أهمية عن توفير الكتب والمراجعات والدروس.
إن أبناءنا في هذه الأيام يحتاجون إلى من يمنحهم الثقة أكثر من حاجتهم إلى من يذكرهم بالمخاوف. يحتاجون إلى من يقول لهم: اجتهدوا وافعلوا ما تستطيعون، أما النتائج فهي بيد الله. يحتاجون إلى من يزرع في قلوبهم الأمل بدلًا من الرعب، والطمأنينة بدلًا من القلق.
وفي النهاية، ستنتهي امتحانات الثانوية العامة كما انتهت كل الأعوام السابقة، وستمر الأيام سريعًا، وستظهر النتائج، لكن ما سيبقى في ذاكرة الأبناء هو الطريقة التي تعاملنا بها معهم خلال هذه المرحلة. فإما أن يتذكروا أننا كنا عونًا لهم وسندًا ودعمًا نفسيًا، وإما أن يتذكروا أننا كنا سببًا في زيادة خوفهم وتوترهم.
لذلك، وقبل أن تُفتح أبواب لجان الامتحانات، علينا أن نُعيد ترتيب أولوياتنا، وأن نتذكر أن أبناءنا ليسوا أرقامًا في كشوف النتائج، ولا درجات في شهادة دراسية، بل هم أرواح وأحلام ومستقبل وإنسانية كاملة تستحق الدعم والاحتواء.
وفي ختام هذا الحديث، يبقى من الضروري أن نتذكر أن الثانوية العامة، رغم أهميتها، ليست سوى محطة من محطات العمر الطويل، وليست الحكم النهائي على مستقبل الأبناء أو قيمتهم الإنسانية. فالسنوات القادمة ستفتح أمامهم أبوابًا كثيرة وفرصًا متعددة، وقد تكشف لهم من القدرات والمواهب ما لم تكشفه سنوات الدراسة كلها.
إن أبناءنا في هذه الأيام لا يحتاجون إلى مزيد من الضغوط، بل يحتاجون إلى من يربت على أكتافهم ويمنحهم الثقة ويطمئن قلوبهم. يحتاجون إلى أن يسمعوا من آبائهم وأمهاتهم كلمات دعم صادقة تؤكد لهم أن الاجتهاد هو المطلوب، وأن النتيجة مهما كانت لن تنقص من محبتهم أو مكانتهم داخل الأسرة.
ولعل أجمل ما يمكن أن نقدمه لأبنائنا في هذه المرحلة هو أن نخفف عنهم عبء الخوف من المستقبل، وأن نزرع في نفوسهم اليقين بأن الله لا يضيع تعب المجتهدين، وأن الأقدار تحمل دائمًا من الخير أكثر مما نتوقع. فليس كل طريق يبدأ من كلية بعينها، وليس كل نجاح يمر عبر باب واحد، بل إن الحياة أوسع بكثير من أن تُختصر في امتحان، وأرحب من أن تُقاس بدرجة أو مجموع.
فلنترك أبناءنا يواجهون امتحاناتهم بعقول هادئة وقلوب مطمئنة، ولنجعل بيوتنا واحات للسكينة لا ساحات للقلق والتوتر. ولنتذكر دائمًا أن ما سيبقى في ذاكرة أبنائنا بعد سنوات طويلة ليس عدد الدرجات التي حصلوا عليها، بل مقدار الحب والدعم والاحتواء الذي وجدوه في أصعب أيامهم.
فابنك ليس مجموعًا يُكتب في كشف النتائج، وابنتك ليست درجة تُضاف إلى رصيد الدرجات، بل هما إنسانان لهما أحلام وطموحات وقدرات لا حدود لها. وإذا كانت الامتحانات ستنتهي بعد أيام، فإن الثقة التي نمنحها لهم اليوم ستبقى معهم عمرًا كاملًا، وستكون زادهم الحقيقي في مواجهة تحديات الحياة. لذلك اجعلوا رسالتكم لهم واضحة: اجتهدوا ما استطعتم، وابذلوا أقصى ما لديكم، أما قيمتكم عندنا فلن يحددها رقم، ولن تصنعها نتيجة، لأنكم أكبر من كل المجموعات، وأغلى من كل الدرجات، وأبقى من أي شهادة، فالحياة لا تُقاس بما نحصده في امتحان واحد، وإنما بما نصنعه من أثر، وما نملكه من إرادة، وما نحمله من إيمان وثقة وأمل في رحلة العمر الطويلة.












مصرع 6 أشخاص وإصابة آخر من أسرة واحدة في حادث مأساوي بالمريوطية
ضبط أب ونجله لاتهامهما بالتعدي على أسرة وإتلاف مواسير المياه بكفر الشيخ
الداخلية تضبط قائد سيارة أجرة تعدى على سيدة بالسب بالبحيرة
السيطرة على حريق اندلع داخل محل بقالة بالعبور
أسعار الذهب اليوم في مصر.. سعر الذهب عيار 21 يصل 6270 جنيها...
أسعار الذهب اليوم في مصر.. عيار 21 يسجل 6105 جنيهات
سعر الدولار اليوم الجمعة 5 يونيو 2026..
أسعار الذهب في مصر اليوم الجمعة 5 يونيو..