الأربعاء 17 يونيو 2026 06:30 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

عصام بيومي يكتب من كندا : خرافة التنوير الأوروبي! -2

الكاتب الكبير عصام بيومى
الكاتب الكبير عصام بيومى

من الشائع والمعروف أن ما يسمى "الغرب" يحتفي بالعام 1492، على أنه بداية "العالم الحديث"، وبزوغ إرهاصات ما يسمى"عصر التنوير". لماذا؟ لأن أيامه الأولى وتحديداً الثاني من يناير شهد النهاية الرسمية لآخر كيان إسلامي في أوروبا. وقد كُتبت في أهمية ورمزية ذلك العام كُتبٌ وأبحاث ودراسات أكثر من أن تحصى أو تعد هنا.
لكن تصدى لنقد ذلك "التنوير"، من زوايا مختلفة، مفكرون بداية من هيردر وهيركايمر وماكنتاير وصولا إلى إدوارد سعيد وجورج صليبا الذي اعتنق الإسلام حديثا.
غير أن من أهمهم وأكثرهم مباشرة د. سمير أمين الذي تركزت كتاباته على نقطة التحول التاريخي "1942"".

وقد تناول أمين فكرة التنوير بشكل تحليلي ونقدي عميق كمفكر ماركسي وليس من منطلق إسلامي. ورغم ذلك فقد فكك ما سماه "المركزية الأوروبية"، ورأى أن التنوير الغربي كان جزءًا من مشروع رأسمالي وُلد ونما على حساب استغلال دول العالم الثالث. ورأى أنه لم يكن إنجازاً عقلياً خالصاً، بل كان إيديولوجية تبرر الهيمنة وتدعي تفوقاً زائفاً للغرب، متجاهلةً دور الحضارات الأخرى في مسيرة التقدم. أي أن التنوير لم يكن هدفا لذلك المشروع.

وعلى مستوى تحليلي آخر ، اعترفت مدرسة فرانكفورت (أدورنو وهيركايمر) بأن " العقل التنويري" انتهى إلى عقل أداتي مدمّر، لا أخلاقي ولا إنساني. وكل ذلك في مسيرة صناعة الكفر التي عملت على إقصاء الوحي وتسييد العقل. بينما كان النور الإسلامي يحفظ لكلٍ مهما، الوحي والعقل، مكانته ودوره.

والحقيقة هي أنه حين سقطت غرناطة، ذاك العام، لم يكن ذلك مجرد نهاية حكم إسلامي، بل كان بداية حقبة ظلام وإظلام من نوع آخر تحت مسمى زائف هو التنوير. لقد أطفأ الأوروبيون النور الحقيقي- تقودهم الروح اليهودية الساعية أبدا إلى السيطرة والتفوق تحت زعم خرافة أفضلية الشعب المختار، وقد شرحت ذلك سابقا- وبدأوا مسيرة سرقة وتشويه للفكر الإسلامي والإنساني لم تتوقف حتى الآن.
حينها بدأت عملية إحراق ممنهج للمكتبات
وقتل أو طرد للعلماء وتفكيك للبنية العلمية للأندلس، تمت خلالها عمليات سرقة منظمة للتراث العالمي الإسلامي.
وسبقتها بالطبع في القرنين الرابع عشر والثالث عشر عملية نقل مكثفة للعلوم الإسلامية. وفي نفس الوقت تمت إعادة توظيف ذلك الإرث الإسلامي المسروق داخل أوروبا بأسماء غير إسلامية، ولغات غير عربية. ولمزيد من التضليل والتشويه كسوا تلك العملية بما سموه الفلسفة وزعموا أنها سبب تقدمهم المزعوم...
وهنا أسوق مزيدا من الشهادات على سرقة علوم المسلمين.

يقول المؤرخ الفلسفي الماسوني، مانللي بي هال، في موسوعته
التعاليم السرية لجميع العصور"، "
إن اللاويين التابعين للفكر البابلي والقبالة و القبلانية اليهودية سرقوا علوم العرب بعد انهيار الحضارة الإسلامية، من خلال جمعيات سرية، ونسبوها لأتباعهم، وكانت أكبر سرقة لحضارة كاملة عبر العصور".

وهنا يثور سؤال: هل كان لا بد من تدمير النور الإسلامي كي يظهر التنوير الزائف؟ والإجابة المؤكدة هي نعم.
والدليل الذي لا يُختلف عليه هو أن التنوير الزائف أدى إلى استعمار العالم وإبادة شعوب بأكملها، وشرعن العبودية بأشكالها المختلفة التي تناولتها بالتفصيل سابقا. كما أن منجزاته العلمية والتكنولوجية حولت الإنسان إلى أداة إنتاج، ثم إلى "شيء" مثله مثل أشياء أخرى كالروبوت والسايبورج. في عملية بدأت أولا بعزل الروح أو الوحي عن العقل، لتصل الآن إلى محاولة عزل العقل أيضاً عن الكيان الإنساني وجعله عقلا روبوتيا آليا فقط.

وفي الإسلام حيث المعادلة هي وحي وعقل وأخلاق التزم التنوير الإسلامي بقيم الفطرة والمنطق السليم من دون أن يكسر سلطة العقل. كما التزم بالمسؤولية الجماعية التي تجعل حرية الفرد تقف عند حدود حرية الآخرين أو المجتمع ككل.

أما التنوير الغربي المزعوم فقد محا سلطة الوحي تماما، وفتح الباب لتغول العقل، وانفلات الحريات التي لم تعد تسنها ولا تنظمها أو تقيدها إلا قوانين وضعية، قصدت بشكل واع تدمير المجتمعات فيما سميته سابقاً "ديكتاتورية القوانين".

إن خطورة خرافة "التنوير الأوروبي" لم تقف عند تزييف مرحلة تاريخية جاءت وانتهت، بل هي مستمرة في ادعاء احتكار النور، وفي مواصلة الإخفاء المتعمد لحقيقة أن هذا النور أُشعل أولًا في حضارة إسلامية، ثم سُرق، ثم جُرّد من روحه، ثم قُدِّم للعالم باسم جديد.

وبعيداً عن نقد الفكر "الفلسفي" لما يسمى التنوير أقول إننا نتحدث هنا فقط عن المنطلقات والسرقات والمآلات. أما النقد الفكري لتلك الفترة فقد تعرضت له بالتفنيد سابقا وإن كان يحتاج وحده إلى مسار بحث مستقل.
التنوير الأوروبي في أساسه إذن لم يكن سوى التضليل والتشويه وما يزال.
ولا يزال السؤال مطروحًا:
هل يمكن لعقلٍ بلا قيم أن يحمل تنويرا وأن يقود الإنسانية… أم يدمّرها؟ الإجابة ما نرى بأم أعيننا.


essam7@gmail

عصام بيومي خرافة التنوير الأوروبي الجارديان المصريه