الأربعاء 17 يونيو 2026 06:26 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

حسين السمنودي يكتب : حين يتحول التشجيع إلى عنصرية.. سقوط الأخلاق قبل سقوط المنتخبات

الكاتب الكبير حسين السمنودى
الكاتب الكبير حسين السمنودى

في كل مرة يشارك فيها منتخب عربي في كأس العالم، نكتشف أن المعركة الحقيقية ليست فوق المستطيل الأخضر، بل في بعض العقول التي ما زالت أسيرة التعصب والكراهية والعنصرية. فبينما تتنافس المنتخبات بشرف من أجل رفع رايات أوطانها، ينشغل البعض بإسقاط الآخرين والتقليل من نجاحاتهم والتشفي في هزائمهم وكأنهم يخوضون حربًا شخصية لا بطولة رياضية.
من الطبيعي أن تختلف الميول الكروية، وأن ينحاز كل شخص إلى المنتخب الذي يحبه أو يراه الأقرب إلى قلبه، لكن غير الطبيعي أن يتحول هذا الانحياز إلى حالة مرضية من الحقد والشماتة والاحتقار. فهناك من ينتظر سقوط أي منتخب عربي ليسارع إلى السخرية من شعب كامل، والاستهزاء بتاريخ أمة، والتشكيك في كل إنجاز تحققه، وكأن نجاح الآخرين يهدد وجوده أو ينتقص من قيمته.
لقد أصبحنا نرى على مواقع التواصل الاجتماعي مشاهد مؤسفة ومخجلة؛ آلاف التعليقات التي لا علاقة لها بكرة القدم، ولا بالتحليل الرياضي، ولا بالنقد الموضوعي، بل تتضمن ألفاظًا عنصرية وإهانات جماعية وسخرية من الجنسيات والأصول واللهجات. وما يزيد المشهد سوءًا أن بعض أصحاب هذه الخطابات يظنون أنهم يمارسون حرية الرأي، بينما هم في الحقيقة ينشرون الكراهية ويغذون الانقسام بين الشعوب.
المشكلة أن العنصرية لا تبدأ بكلمة وتنتهي عند تعليق، بل تبدأ بفكرة صغيرة تنمو داخل النفوس حتى تتحول إلى ثقافة كاملة تبرر الإهانة وتبرر الكراهية وتبرر احتقار الآخرين. وعندما يعتاد الإنسان السخرية من شعب أو التقليل من أمة أو التشفي في إخفاق الآخرين، فإنه يفقد شيئًا من إنسانيته في كل مرة يكرر فيها ذلك السلوك.
والمفارقة العجيبة أن كثيرًا ممن يمارسون هذه العنصرية يرفعون أصواتهم بالشكوى عندما يتعرض العرب أنفسهم للتمييز أو الإهانة في الخارج. يغضبون بحق عندما يُهان عربي بسبب هويته أو لغته أو دينه، لكنهم في الوقت نفسه يمارسون السلوك ذاته ضد أشقائهم العرب. وكأن العنصرية تصبح مقبولة إذا صدرت منهم ومرفوضة إذا صدرت ضدهم.
إن الرياضة وُجدت لتقريب الشعوب لا لتفريقها، ولزرع الاحترام لا لنشر الكراهية. ولذلك فإن أكثر ما يثير الحزن ليس خسارة منتخب عربي في مباراة، بل رؤية بعض العرب وهم يحتفلون بهذه الخسارة بطريقة تتجاوز حدود المنافسة الشريفة إلى حدود التشفي المرضي والشماتة الجارحة. فالهزيمة الرياضية أمر وارد في عالم كرة القدم، أما هزيمة الأخلاق فهي الكارثة الحقيقية.
لا يوجد منتخب في العالم لا يخسر، ولا يوجد فريق لا يتعثر، ولا يوجد جيل كروي يظل منتصرًا إلى الأبد. هذه سنة الرياضة وسنة الحياة. لكن ما يبقى بعد صافرة النهاية هو مستوى الأخلاق الذي تعاملنا به مع الفوز والخسارة. فهناك من ينتصر في المباراة ويخسر احترام الناس، وهناك من يخسر المباراة ويكسب تقدير الجميع بسبب أخلاقه واحترامه للمنافس.
إن بعض المتابعين لا يبحثون عن كرة القدم أصلًا، بل يبحثون عن أي مناسبة لتفريغ ما بداخلهم من غضب وتعصب وكراهية. لذلك تراهم يهاجمون اللاعبين وأسرهم وجماهيرهم وأوطانهم، ويتحول النقاش الرياضي عندهم إلى ساحة للسباب والتجريح وإثارة الفتن. وهؤلاء لا يسيئون إلى المنتخبات التي يهاجمونها فقط، بل يسيئون إلى أنفسهم أولًا وإلى صورة مجتمعاتهم أمام العالم.
لقد علمتنا البطولات الكبرى أن الشعوب الراقية تعرف كيف تختلف باحترام، وكيف تتنافس دون أن تتنازل عن أخلاقها، وكيف تفرح دون أن تجرح الآخرين، وكيف تنتقد دون أن تهين. أما الشعوب التي تجعل من كل مباراة معركة وجود، ومن كل هزيمة فرصة للشماتة، فإنها تظل حبيسة دوائر التعصب التي لا تنتج نجاحًا ولا تبني مستقبلًا.
ومن المؤسف أن بعض الأصوات الإعلامية تساهم أحيانًا في تأجيج هذه المشاعر بدلًا من إخمادها، فتغذي الانقسامات وتضخم الخلافات وتبحث عن الإثارة الرخيصة على حساب قيم الاحترام والروح الرياضية. وهنا تصبح المسؤولية مضاعفة على الإعلاميين والمثقفين وأصحاب الرأي في نشر ثقافة التسامح والوعي بدلًا من ثقافة التحريض والكراهية.
إن المنتخبات العربية مهما اختلفت ألوان قمصانها وأعلامها تبقى جزءًا من نسيج حضاري وثقافي وإنساني واحد. وقد أثبتت مناسبات كثيرة أن فرحة العرب بانتصار أي منتخب عربي كانت أكبر من حدود الجغرافيا والسياسة والخلافات. لذلك فإن محاولات زرع العداوة بين الشعوب من خلال كرة القدم ليست إلا انعكاسًا لأفكار ضيقة لا تمثل روح الرياضة ولا تمثل أخلاق الجماهير الحقيقية.
وفي النهاية، فإن كأس العالم سيغادر، وستنتهي المباريات، وستُطوى صفحات البطولة كما طُويت عشرات البطولات من قبل. لكن ما سيبقى هو ما كتبناه وما قلناه وما زرعناه في نفوس الأجيال القادمة. فإما أن نترك لهم نموذجًا يحترم المنافس ويقدر الإنسان مهما كانت جنسيته، وإما أن نورثهم لغة الكراهية والعنصرية والتعصب.
ولهذا يجب أن يكون موقفنا واضحًا وصريحًا: لا مكان للعنصرية في المدرجات، ولا مكان للكراهية في الرياضة، ولا مكان للشماتة بين الشعوب. فالمنتخبات قد تخسر مباراة، وقد تودع بطولة، وقد تتعثر في طريقها نحو المجد، لكن الأمم لا تنهض إلا بالأخلاق، ولا تبقى محترمة إلا حين تحترم الآخرين.
أما ما يجب أن يكون، فهو أن نتعامل مع الرياضة باعتبارها مساحة للتنافس الشريف لا ساحة لتصفية الحسابات، وجسرًا للتقارب بين الشعوب لا وسيلة لإشعال العداوات بينها. يجب أن يكون اختلافنا في التشجيع سببًا لإثراء المشهد الرياضي، لا سببًا للكراهية والخصومة. ويجب أن نتعلم أن احترام المنافس لا يقلل من قيمة انتمائنا، بل يزيده احترامًا ورقيًا.
ما يجب أن يكون هو أن يفرح الفائز بانتصاره دون استعلاء، وأن يتقبل الخاسر هزيمته دون انكسار، وأن يدرك الجميع أن كرة القدم في النهاية لعبة تمنح لحظات من السعادة والحزن، لكنها لا تحدد قيمة الشعوب ولا مكانة الأمم. فالأمم تُقاس بعلمها وأخلاقها وعطائها وإنجازاتها الحضارية، لا بعدد الأهداف التي سجلتها في مباراة أو بطولة.
يجب أن يكون الإعلام صوتًا للحكمة لا منصة للتحريض، ومنبرًا للتوعية لا وسيلة لإشعال التعصب. ويجب أن تكون مواقع التواصل الاجتماعي فرصة للحوار الراقي وتبادل الآراء، لا ساحة للسباب والإهانات والتنمر والعنصرية. فالكلمة التي نكتبها اليوم قد تترك أثرًا في النفوس لسنوات طويلة، وقد تبني جسورًا من المحبة أو تزرع جدرانًا من الكراهية.
ما يجب أن يكون هو أن نربي أبناءنا على أن المنافس ليس عدوًا، وأن الخلاف لا يبرر الإساءة، وأن الاحترام قيمة ثابتة لا تتغير بتغير النتائج. فإذا تعلم الجيل الجديد أن يصفق للأداء الجميل مهما كان صاحبه، وأن يحترم المنافس مهما كان انتماؤه، وأن يرفض العنصرية مهما كان مصدرها، فإننا سنكون قد صنعنا مستقبلًا أكثر وعيًا وأكثر نضجًا.
ويجب أن ندرك جميعًا أن العالم أصبح قرية صغيرة، وأن صورة شعوبنا لا يصنعها اللاعبون وحدهم داخل الملاعب، بل نصنعها نحن أيضًا بأخلاقنا وكلماتنا وسلوكنا. فحين يرى العالم جماهير تحترم بعضها البعض رغم المنافسة، وتختلف دون إساءة، وتنتقد دون تجريح، فإنه يرى الوجه الحقيقي للحضارة والرقي.
إن ما يجب أن يكون هو أن تتحول البطولات الكبرى إلى مناسبات للتعارف والتقارب وتبادل الاحترام بين الشعوب، وأن تكون الأعلام المختلفة رمزًا للتنوع الجميل لا سببًا للصراع والانقسام. فالله خلق الناس مختلفين في ألوانهم وألسنتهم وأوطانهم، ولم يجعل هذا الاختلاف سببًا للكراهية، بل آية من آياته الدالة على عظمة الخلق واتساع الحياة.
وستظل البطولات تأتي وتمضي، وتتغير النتائج والأبطال، لكن الاحترام يبقى، والإنسانية تبقى، والقيم النبيلة تبقى. لذلك فإن أعظم انتصار يمكن أن نحققه ليس انتصار منتخب على آخر، بل انتصار الأخلاق على التعصب، والمحبة على الكراهية، والوعي على الجهل، والإنسانية على كل أشكال العنصرية التي تسيء للرياضة ولأصحابها قبل أن تسيء لضحاياها. فالكؤوس قد تُرفع في ليلة واحدة، أما الأخلاق فتُبنى عبر سنوات طويلة، وحين تنتصر الأخلاق يكون الجميع فائزين، مهما اختلفت الأعلام والقمصان والنتائج.

حسين السمنودي حين يتحول التشجيع إلى عنصرية.. سقوط الأخلاق قبل سقوط المنتخبات الجارديان المصريه