الأربعاء 17 يونيو 2026 06:25 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

جمال المتولى جمعة يكتب : أسرار الهجرة النبوية فى بناء الدولة

الكاتب الكبير جمال المتولى جمعة
الكاتب الكبير جمال المتولى جمعة

فى لحظة تاريخية فارقة كان يمكن للمشيئة الالهية أن تطوى الارض طيا وان تنقل الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه الى المدينة المنورة فى لمح البصر فوق متن "البراق" كما حدث فى رحلة الاسراء والمعراج لكن غياب المعجزة المادية الخارقة فى حدث الهجرة لم يكن عفويا بل كان اعلانا حضاريا صارما بإن المعجزات تأتى لتأييد الانبياء أما الأمم والدول فلا تبنى إلا بالأسباب والعمل والخطط الاستراتيجية .
أولى تجليات العبقرية الادارية فى التخطيط النبوى تمثلت فى تحييد العاطفة والاعتماد على الكفاءة المجردة لم يكن الاستعانة بـ (عبدالله بن أريقط كدليل للطرق) مجرد اختيار عابر بل كان تقدسيا لمبدأ التكنوقراط والخبرة الفنية ورغم أن ابن أريقط لم يكن مسلما وقتها إلا أن معيار الأمانة المهنية والخبرة بطرق الصحراء " كان هو الحاكم , هذا الدرس النبوى صاغ قاعدة سياسية واجتماعية سابقة لعصرها تؤكد إن ادارة المشاريع الكبرى تتطلب وضع الرجل المناسب فى المكان المناسب بناء على كفاءته دون إقصاء او جمود .
ولم تكن الهجرة مشروعا نخبويا معزولا بل كانت نموذجا لـ "التلاحم المجتمعى الشامل " حيث وظف النبى صلى الله عليه وسلم كل طاقات المجتمع دون أقصاء بناء على عبقرية توزيع الادوار فتجلت حكمة الشيوخ فى مرافقة ابى بكر الصديق , وتأمين الدعم المالى والنفسى وظهرت فدائية واستخبارات الشباب بنوم على بن ابى طالب فى الفراش للتعمية الامنية وتحرك عبدالله بن ابى بكر لجمع المعلومات وتفكيك خطط العدو كما تجسد جلد وشجاعة المرأة فى اسماء بنت ابى بكر وهى تتسلق الجبل حاملة التموين فى ظروف صحية وجغرافية بالغة القسوة واكتملت المنظومة بدقة العمال والكادحين ممثلة فى عامر بن فهيرة الذى تولى مسح الأثار وإلغاء الرصد الجغرافى للعدو, هذه الشمولية تؤسس لقاعدة سياسية واجتماعية حديثة الكيانات الكبرى لا تنتصر بجهود القادة الفردية بل يتحول كل فرد فى المجتمع الى صاحب رسالة ومسؤول تنفيذى
وكثيرون ينظرون الى غار ثور بإعتباره مجرد مخبأ فيزيائى للنجاة لكن التدبر التفكيكى يكشف انه فضاء لتربية اليقين وتأسيس المناعة النفسية ففى أشد لحظات الخطر المادى عندما وقف الاعداء فوق رؤسهم لم تنطلق الشكوى او الذعر بل نزلت الكلمات الخالدة " لاتحزن ان الله معنا" هذه المعية الآلهية لم تكن مجرد تطمين بل كانت اعلانا بأن الدولة الاسلامية تبدأ اولا بـ "بناء الانسان" من الداخل وتجريده من الخوف أمام الماديات المحيطة به لآن الانهزام النفسى هو المقبرة الحقيقية للمشاريع الحضارية .
لقد صاغت الهجرة تقديما صارما للمبدأ على الجغرافيا والعقيدة على العاطفة فخرج النبى صلى الله عليه وسلم من أحب البلاد اليه (مكه) ليبرهن للبشرية أن الاوطان الحقيقية هى التى تحترم فيها كرامة الإنسان وتصان فيها قيمته وحريته
إذا كانت الهجرة الفيزيائية بأقدام الصحابه قد انتهت تاريخيا فأن الهجرة القيمية والفكرية تظل فريضة الوقت المستمرة لأمتنا المعاصرة وهى تواجه تحديات وجودية وفكرية وتكنولوجية متسارعة إننا اليوم بحاجة ماسة الى هجرة معرفية من الجهل والتسطيح الى المعرفة الحقيقة القائمة على البحث والتحليل وهجرة ادارية من العشوائية والإرتجال الى التخطيط العلمى السليم المستدام وهجرة نفسية من اليأس والإحباط الى التفاؤل الايجابى المشروط بالعمل الجاد .
لقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكه وحيدا مطاردا وعاد اليها بعد سنوات قليلة فاتحا منتصرا ليعلم التاريخ أن طريق الحق وإن طال لا يضيع وأن العبرة ليست بقلة الإمكانات المادية فى البدايات بل بصدق التوجه وعبقرية التخطيط وحتمية اليقين بالوصول

#جمال المتولى جمعة
المحامى – مدير أحد البنوك الوطنية بالمحلة الكبرى سابقا

جمال المتولى جمعة أسرار الهجرة النبوية فى بناء الدولة الجارديان المصريه