السبت 4 يوليو 2026 01:40 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

عمرو النعماني يكتب: الجنة تحت أقدام البسطاء

الكاتب الكبير  عمرو النعماني
الكاتب الكبير عمرو النعماني

أحب البسطاء دون أن أعرف سببا واحدا لهذا الحب ، ربما لأنهم آخر من تبقى في هذا الزمن كما خلقهم الله ، وجوه لا تعرف الأقنعة وقلوب لم تلوثها حسابات المصلحة وألسنة لا تبدأ حديثها إلا بالحمد ولا تختمه إلا بالدعاء

كلما جلست بينهم شعرت أن الدنيا ليست مخيفة كما نظن ، أتعجب كيف يحتملون ما لا يحتمله غيرهم، ثم يبتسمون وكأن شيئا لم يكن ، تسمع أحدهم يقول الحمد لله فتشعر أن الكلمة خرجت من قلب ذاق التعب فعرف قيمة الرضا ، عندها تستحي أن تشكو هما أمام أناس يحملون من الهموم ما لو وُزع على غيرهم لأثقل ظهورهم

البسطاء لا يملكون فن الكلام، لكنهم يملكون ما هو أثمن من الكلام ، يملكون قلوبا لا تعرف الحقد وأيدي تمتد بالعون قبل أن تُطلب منها المساعدة ، قد يكون أحدهم في أشد الحاجة، لكنه إذا رآك مهموما نسي نفسه وسألك مالك يا ابني... فيك إيه؟ كأن مواساة الناس رزق يتقربون به إلى الله

وربما لو سألني أحد اليوم: لماذا كل هذا الحب للبسطاء؟ فلن أجد إجابة أصدق من أنني ورثته عن أبي رحمه الله ، أتذكر وأنا طفل أسير بجواره لم يكن يلتفت إلى أصحاب الجاه ولا يبحث عن أصحاب النفوذ، بل كانت عيناه تفتشان عن البسطاء في الطرقات ، كان يفرح بمصافحتهم ويقف ليستمع إلى شكواهم ويطبطب على قلوبهم، ويخرج من جيبه ما يستطيع أن يعينهم به، ولو كان شيئا يسيرا ، ولم يكن ينتظر منهم إلا دعوة صادقة تخرج من قلب أنهكه التعب
وكان يقول لهم بابتسامته التي لا أنساها: ربنا باعتني ليك مخصوص إدعيلي وعرّف ربنا إني سمعت كلامه وجيتلك ، وقتها لم أكن أدرك عمق هذه الكلمات أما اليوم ففهمت أن أبي كان يبحث عن كنز لا يراه كثيرون ، كان يبحث عن دعوة صادقة من قلب بسيط، أبي كان يؤمن أن رضا هؤلاء ودعاءهم أثمن من أي مكسب في الدنيا

لهذا، كلما أثقلتك الدنيا اقترب من البسطاء ، ستتعلم منهم أن أجمل ما يملكه الإنسان ليس ما في جيبه، بل ما في قلبه من خير ..

عمرو النعماني الجنة تحت أقدام البسطاء الجارديان المصريه