الأربعاء 15 يوليو 2026 05:30 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

زكريا سليمان يكتب: تأملات في آية من رسالة الله الخالدة (14)

الكاتب الكبير زكريا سليمان
الكاتب الكبير زكريا سليمان

يعدّ الثانى من ديسمبر من كل عام ،هو اليوم العالمي لإلغاء الرق ، والعبودية ،وهو اليوم الذي يوافق صدور اتفاقية الأمم المتحدة لمنع الاتجار بالأشخاص ،
واستغلال الغير ، والذى صدر فى عام 1949 من القرن الماضى ، وهذا شيء رائع للغاية ، وجهد مشكور ، بينما إذا تتبعت تاريخ تحرير العبيد ، ستجد أن الإسلام كان أسبق التشريعات على الإطلاق فى محاربة الرق ، وإلغائه نهائيا ،
بل محاه بممحاة إلى الأبد ، وذلك وفق استراتيجية علمية رائعة جذبت قلوب المجتمع العربى آنذاك ، وجعلتهم يحررون عبيدهم من تلقاء أنفسهم ، حيث
تبنى هذه الاستراتيجية على التدرج المنظّم ، والمحكم ، وذلك بطرح عدد من العروض الهائلة ، والمتميزة للتقرّب إلى الله ، وكأنه ﷺ يملك أشهر مجموعة لشركات الدعاية والإعلان العالمية "كمجموعة ، Dentsu Inc البريطانية، أو مجموعةWPp" ولكنه ﷺ أجلّ من ذلك ، وأسمى ، كما أن السلعة التي كان يروّج لها ﷺ سلعة سامية ، ولا تقدر بثمن ، ولا يوجد شيء أعظم من الحرية ، كما أن الله خلق جميع الناس سواسية ، فذلك هو هدفه ، ومبتغاة ، فلا يوجد فرق بين أبيضه ، وأسوده ، ذكره ، وأنثاه ،
مؤمنه ، وغير مؤمنه ، وأعلن ذلك صراحة ، فقال "يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُم" أما الاستراتيجية المتكاملة لتحرير الرق ، بدأت عندما أسس الرسول ﷺ بعض القواعد ليهيئ المجتمع لتقبُّل تحريرهم ، فمنها على سبيل المثال ، أنه ﷺ حث الناس على
حسن معاملتهم ، فقال "لا يَقُولَنَّ أَحَدُكُم : عَبْدِي وَأَمَتِي ، كُلُّكُمْ عَبِيدُ اللهِ ، وَكُلُّ نِسَائِكُمْ إِمَاءُ اللهِ ، وَلَكِن ليَقُل : غُلاَمِي وجَارِيَتِي ،وَفَتَايَ وَفَتَاتِي" ومنها أيضا
أنه ﷺ جعل العبد بمنزلة الأخ لسيده حتى يقلّص الفروق بينهما ، ولذا كان ذلك بمثابة البذرة التي زرعها الرسول ﷺ في مكة لتحريرهم ، فأصبحت شجرةضخمة تؤتى ثمارها على العالم بأسره ، فقال ﷺ "إخْوَانُكُم خولُكُمْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أيْدِيكُمْ فَمَنْ كانَ أخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يأْكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ ممَّا يَلْبَس ،
وَلا تُكِلِّفُوهمْ مَا يَغْلِبُهُمْ ، فإنّ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُم" وقد كان الرسول ﷺ أوّل من
عمل بذلك المبدأ ، فقد كان "زيد بن حارثة عبدا له ، فحرره ، فقدم أبوه ليفتديه ، ويأخذ ابنه ، فخيره ﷺ قائلا له "إن شئت فأقم عندي ، وإن شئت فانطلق مع أبيك" فقال زيد : بل أقيم عندك ! نعم إنها أخلاق رسول الله ﷺ التي جذبت زيد ،وفضّل أن يعيش مع الرسول ﷺ ! ثم بدأ ﷺ يطرح عروضه لتحرير العبيد ، واحدة بعد الأخرى ، فتلى عليهم قول ربه "إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ ،
و .. " حتى وصل لقوله تعالى "وَفِي الرِّقَاب .. فَرِيضَةً مِّنَ اللَّه" أي أن فريضة الزكاة تنفق أيضا في تحرير العبيد ، ثم توالت عروض الرسول ﷺ الرائعة تتوالى
، عرضا بعد الآخر ، فأوجب الله تحريرهم عند اقتراف هؤلاء السادة الذنوب ليكون كفارة لهم ، مثل "من لم يف بالوعد ، أو بالقسم ، أو تكون دية للقتل الخطأ ، أو لمن أفطر في نهار رمضان ، ومن ضرب عبده ،أو لطمه على وجهه" ،ثم طرح ﷺ عرضا رائعا آخر ، وهو أن يحرر العبد مجرّد كلمة يقولها سيده له ، حتى لو قيلت على سبيل الهزل ، كأن يقول له "أنت حرّ" واقرأ إن شئت قوله
ﷺ "ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزلُهُنَّ جِد : النِّكَاح ، وَالطَّلَاقُ وَالعِتَاق" وليس هذا فحسب، بل شرع الإسلام تشريعا عظيما ، فقد حوّل العبد من شخص سلبىّ إلى شخص
إيجابىّ يبحث عن حريته ، وذلك بأن يعمل ذلك العبد ، ويجتهد ، ليقدم مالا محددا لسيده ليحرر ، يقول تعالى "وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم
فَكَاتِبُوهُم" ولم يتوقف الرسول ﷺ على ذلك، بل ظل يكافح للقضاء على هذه الآفة حتى لفظت أنفاسها الأخيرة ، فجفّت منابعها ، وخلت الجزيرة العربية من العبودية تماما ، فقال ﷺ فى آخر وصاياه ، فى خطبته الأخيرة "خطبة الوداع فائلا "أَنْتُمْ بَنُوُ آدَمَ وآدَمُ مِنْ تُرَابٍ ، وأنه لا فضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ ،
وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ ، وَلَاَ أَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ إِلا بِالتَّقْوَى" فأصبح بلال بن
رباح سيدا ، وأصبح زيد بن حارث سيدا ، وأصبح سلمان الفارسىّ سيدا ،
وأصبح غيرهم سادة في الجزيرة العربية ، فهل بعد ذلك التحضر تحضرا ؟ .نعم .. ذلكم هو مراد الله ، ورسوله ﷺ ، فما أعظم منهج الله ! وما أعظمه من رسول !

زكريا سليمان تأملات في آية من رسالة الله الخالدة الجارديان المصريه