الأحد 19 يوليو 2026 05:44 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د. نهال أحمد يوسف تكتب: الانحياز المعرفي... حين يرى العقل ما يريد أن يراه!

د. نهال أحمد يوسف
د. نهال أحمد يوسف

لعل أكثر ما يربك الإنسان أنه يظن نفسه محايدًا. يتخيل أنه ينظر إلى العالم بعينٍ مجردة، وأن أحكامه ثمرة العقل وحده، بينما الحقيقة أكثر تعقيدًا. فما نراه ليس العالم في صورته الخالصة، وإنما العالم كما تسمح لنا خرائطنا الذهنية أن نراه. وبين الواقع وإدراكه تقف منظومة كاملة من الذكريات والخبرات والمخاوف والقناعات، تعمل في صمت، وتترك أثرًا لا يقل قوة عن الوقائع نفسها.

لهذا لم يعد الانحياز المعرفي مجرد مفهوم ينتمي إلى علم النفس، وإنما أصبح مفتاحًا لفهم السياسة، والإعلام، والرأي العام، وحتى العلاقات الإنسانية. إنه ذلك الميل الخفي الذي يدفع الإنسان إلى البحث عما يؤكد يقينه أكثر مما يدفعه إلى اختبار هذا اليقين، ويجعله يصغي إلى ما يوافقه بدرجة أكبر من إصغائه إلى ما يربكه أو يتحداه.

وليس في ذلك ما يستدعي الاتهام أو السخرية. فالعقل البشري لم يُخلق ليكون آلة حساب باردة، وإنما ليحمي صاحبه من الفوضى. وحين تتكاثر المعلومات وتتزاحم، يلجأ إلى اختصارات ذهنية توفر عليه الجهد، وتمنحه شعورًا سريعًا بالتماسك. غير أن هذه الاختصارات نفسها قد تتحول، من حيث لا نشعر، إلى جدران تحجب عنا جزءًا من المشهد.

ومن هنا تبدأ الحكاية مع الإعلام.

فالإعلام لا يخاطب صفحات بيضاء؛ إنه يدخل في حوار مع عقول سبق أن صاغتها التجارب والبيئة والثقافة. وكل رسالة إعلامية تلتقي بما يسكن ذهن المتلقي قبل أن تستقر في ذاكرته. ولهذا قد يقرأ آلاف الأشخاص الخبر نفسه، ثم يخرج كل منهم بحقيقة مختلفة؛ لا لأن الخبر تبدل، وإنما لأن العدسة التي نظر من خلالها كل واحد منهم كانت مختلفة.

ولعل أخطر ما في العصر الرقمي أنه لم يكتفِ بكشف هذه الانحيازات، وإنما تعلم كيف يستثمرها. فالخوارزميات لا تجادلنا، ولا تحاول تغيير أفكارنا، وإنما تقدم لنا ما نميل إلى رؤيته، وما نرغب في تصديقه، وما يدفعنا إلى البقاء أطول وقت ممكن أمام الشاشة. وهكذا يتحول الإنسان، شيئًا فشيئًا، إلى ساكن داخل غرفة واسعة المظهر، ضيقة النوافذ؛ يسمع فيها صدى صوته أكثر مما يسمع أصوات الآخرين.

ومع الوقت، لا يعود الاختلاف مجرد اختلاف في الرأي، وإنما يبدو كأنه تهديد لليقين ذاته. ويتراجع البحث عن الحقيقة أمام الرغبة في حماية القناعات. عندئذ يصبح السؤال: «من قال؟» أكثر حضورًا من السؤال: «ماذا قال؟»، ويتقدم الانتماء على المعرفة، ويُختزل النقاش في اصطفاف بين معسكرات مغلقة.

ولا يعمل الانحياز المعرفي بصخب، وإنما يمارس تأثيره بهدوء بالغ. إنه لا يأمر الإنسان بالكذب، ولا يدفعه صراحة إلى رفض الوقائع، وإنما يقنعه بأنه رأى الصورة كاملة، بينما هو لم ير منها إلا الزاوية الأقرب إلى قناعاته.

ولهذا لا يكون أخطر أنواع التضليل هو ذلك الذي يقوم على اختلاق الوقائع وحدها، وإنما ذلك الذي يعرف كيف يلامس انحيازاتنا القديمة. فالمعلومة التي توافق ما نؤمن به تجد طريقها إلى التصديق بسهولة، أما المعلومة التي تهز يقيننا فتخضع لمحاكمة شديدة، مهما بلغت قوة أدلتها. وبهذا يتحول العقل، من دون أن ينتبه، إلى محامٍ عن قناعاته، لا قاضٍ بينها.

ومن المفارقات أن وفرة المعلومات لم تجعل الإنسان أكثر معرفة بالضرورة. فقد انتقلنا من زمن كانت المشكلة فيه ندرة الخبر إلى زمن أصبحت فيه المشكلة هي فائض الروايات، وتشابك المصادر، وسرعة التدفق. ولم يعد التحدي الحقيقي هو العثور على المعلومة، وإنما فرز المعرفة من الضجيج، والتمييز بين ما يستحق الثقة وما يستدعي التوقف والمراجعة.

وتزداد المسألة تعقيدًا حين تدخل العاطفة في قلب التلقي. فالغضب والخوف والقلق لا تكتفي بالتأثير في ردود أفعالنا، وإنما تعيد ترتيب ما ننتبه إليه وما نتجاهله. وربما لهذا تنتشر بعض الأخبار لأنها صحيحة، فيما تنتشر أخبار أخرى لأنها تلامس خوفًا قديمًا، أو تثير إحساسًا بالتهديد، أو تمنح جمهورها شعورًا بالتفوق الأخلاقي.

من هنا تصبح التربية الإعلامية ضرورة ثقافية، لا رفاهية أكاديمية. فهي لا تعلم الإنسان أن يشك في كل شيء، وإنما أن يراجع يقينه قبل أن يحاكم يقين الآخرين، وأن يمنح الدليل فرصة تسبق الهوى، وأن يدرك أن الحقيقة لا تخسر شيئًا حين تُسأل، بينما يخسر الوهم الكثير عندما يُختبر.

وربما تكون الخطوة الأولى نحو التحرر من الانحياز المعرفي هي الاعتراف بوجوده. فالإنسان الذي يعرف أنه قد يخطئ أقرب إلى الحقيقة ممن يظن أنه يمتلكها كاملة. أما من يتعامل مع آرائه بوصفها أحكامًا نهائية، فإنه يغلق الباب أمام المعرفة قبل أن تبدأ.

وهنا تتضح مسؤولية الإعلام. فالإعلام الحقيقي لا يكتفي بنقل الأحداث، وإنما يساعدنا على اكتشاف الزوايا التي لم ننتبه إليها، ويوقظ فينا فضيلة المراجعة، ويذكرنا بأن الحقيقة أوسع دائمًا من منظور واحد. ولا تتحقق هذه المهمة بالصوت الأعلى، ولا بالعنوان الأكثر إثارة، وإنما بالقدرة على تقديم السياق، وكشف التحيز، ومنح القارئ فرصة للفهم قبل الحكم.

فليس كل ما نصدقه حقيقة، وليس كل ما نرفضه باطلًا. وبين الاثنين مساحة رحبة اسمها التفكير النقدي؛ وهي آخر ما ينبغي التفريط فيه في زمن أصبحت فيه المعارك تُخاض بالعقول قبل الكلمات، وتُحسم أحيانًا داخل وعينا قبل أن ندرك أننا دخلناها. حج

د. نهال أحمد يوسف الانحياز المعرفي... حين يرى العقل ما يريد أن يراه! الجارديان المصريه