حسين السمنودى يكتب: مرضى النفور الإدراكي. السوس الذي ينخر في عظام الوطن
ليس أخطر على الأمم من عدو يحمل السلاح، بل من عقلٍ يرفض أن يرى، وأذنٍ لا تريد أن تسمع، وقلبٍ أغلق أبوابه أمام الحقيقة. فهناك من إذا جاءه العلم أعرض عنه، وإذا واجهته الحجة التفَّ حولها، وإذا اصطدم بالحق أعلن الحرب عليه، لا لأنه يملك دليلاً أقوى، ولكن لأن الحقيقة تهدد الصورة التي صنعها لنفسه.
إنها حالة من النفور من كل ما يخالف الهوى، ومن كل ما يهدم الأفكار المسبقة، حتى لو كانت تلك الأفكار قد ثبت بطلانها بالدليل والعقل والمنطق.
ومن صور هذا النفور أن ترى من ينكر العلم الحديث لأنه لا يوافق رأيه، أو يهاجم العلماء لأنهم كشفوا حقائق لا تعجبه، أو يرفض كل إنجاز لأنه صدر ممن يختلف معه. وكأن معيار القبول عنده ليس صحة الفكرة، وإنما هوية قائلها.
ومن العجيب أن بعض هؤلاء يتحدثون باسم الدين، بينما الدين منهم براء. يتشددون في الجزئيات، ويتساهلون في الأخلاق، يرفعون الشعارات، ويهملون المقاصد، يحفظون النصوص، ويغفلون عن روحها، ويظنون أن التدين مظهرٌ وصوتٌ مرتفع، بينما التدين الحق هو صدقٌ وعدلٌ ورحمةٌ وإحسان.
يتنطعون في الدين حتى ينفروا الناس منه، ويصدرون الأحكام على الخلق وكأن مفاتيح الجنة والنار بأيديهم، مع أن الإسلام جاء ليهدي الناس بالحكمة والموعظة الحسنة، لا بالتشدد والغلو وسوء الظن.
ومنهم من ينكر النشيد الوطني، أو يهاجم كل رمز يجمع أبناء الوطن، خلطًا بين الوطنية والعصبية، وبين حب الأرض وعبادة الأرض. والحقيقة أن حب الوطن الذي نشأ فيه الإنسان، ويحفظ أمنه وكرامته، قيمة إنسانية عظيمة، وقد عرفها الإسلام ورسخها، فالوطن ليس مجرد حدود جغرافية، بل تاريخ وهوية وانتماء ومسؤولية مشتركة.
وهناك من ينكر كل نجاح، ويشكك في كل إنجاز، ويبحث عن العيوب ولو وسط آلاف المزايا، لأن الاعتراف بالخير عنده هزيمة، والثناء على الآخرين نقص في ذاته. يعيش أسيرًا لفكرة المؤامرة، فلا يرى إلا الظلام، ولا يصدق إلا ما يؤكد قناعته السابقة.
وهذا اللون من التفكير لا يدمر صاحبه وحده، بل يصيب المجتمع كله بالإحباط، ويقتل روح المبادرة، ويزرع الشك في كل شيء، حتى تصبح الحقيقة نفسها موضع اتهام.
لقد خلق الله الإنسان بعقل ليفكر، لا ليقلد، وببصيرة ليميز، لا ليعاند. والعقل الذي يخشى المراجعة لا ينمو، والفكر الذي يرفض النقد يذبل، والإنسان الذي يحارب كل جديد يبقى أسير الماضي مهما تغيرت الدنيا من حوله.
إن الحضارات لا تنهض بالصراخ، وإنما تنهض بالعلم، ولا تبنى بالتكفير والتخوين، وإنما تبنى بالحوار، واحترام التخصص، والبحث عن الدليل، والقدرة على الاعتراف بالخطأ متى ظهر الحق.
وليس المطلوب أن يتفق الناس على كل شيء، فالاختلاف سنة كونية، ولكن المطلوب أن يكون اختلافهم قائمًا على العلم والأدب والبرهان، لا على التعصب والهوى والكراهية.
إن أخطر ما تواجهه الأمم ليس فقرًا في الموارد، ولا ضعفًا في الإمكانات، وإنما انتشار الأفكار المسمومة التي تتسلل إلى العقول تحت لافتات براقة، بينما حقيقتها الهدم لا البناء، والتفريق لا الجمع، والكراهية لا المحبة. تلك الجماعات لا تعيش إلا في بيئة يغيب عنها الوعي، وتضعف فيها الثقافة، ويختلط فيها الحق بالباطل، فتجعل من الجهل علمًا، ومن التعصب دينًا، ومن رفض الآخر بطولة، ومن معاداة الوطن فضيلة، ومن إنكار كل إنجاز منهجًا للحياة.
إنهم لا يكتفون بمحاربة فكرة أو رأي، بل يحاولون صناعة أجيال لا تثق في علمائها، ولا تحترم مؤسساتها، ولا تقدر قيمة وطنها، ولا تؤمن إلا بما تمليه عليها عقول مغلقة وأفكار جامدة. فإذا رأوا تقدمًا شككوا فيه، وإذا شاهدوا نجاحًا حاربوه، وإذا سمعوا كلمة تدعو إلى العقل والعلم والوحدة الوطنية اتهموها بكل تهمة، لأنهم يدركون أن الوعي هو العدو الأول لمشروعاتهم، وأن الإنسان المتعلم الواعي لا يمكن أن يكون وقودًا للتطرف أو أداة للهدم.
ولقد علمتنا التجارب أن كل جماعة جعلت من نفسها وصية على الدين، أو محتكرة للحقيقة، أو مصادرة لعقول الناس، انتهى بها المطاف إلى الفشل والسقوط، لأن الله سبحانه وتعالى لم يجعل العصمة إلا لأنبيائه، ولم يأمر الناس بتقديس الأشخاص، وإنما أمرهم بإعمال العقل، والتثبت، والعدل، والإحسان. فالدين الحق لا يعرف الكراهية، ولا يزرع الأحقاد، ولا يدعو إلى تمزيق الأوطان، بل يدعو إلى عمارتها، وإصلاحها، وحفظ أمنها، وصيانة مقدراتها، واحترام الإنسان.
إن الوطن الذي ارتوى بدماء الشهداء، وبعرق المخلصين، لا يستحق أن يكون ساحة لتجار الفتنة، ولا منصة لأصحاب الخطابات السوداء الذين لا يرون في الحياة إلا المؤامرات، ولا في الناس إلا خصومًا، ولا في المستقبل إلا ظلامًا. فالأوطان تبنى بالأمل، وتنهض بالعلم، وتحيا بالعمل، ويحميها الوعي، وتسندها وحدة شعبها، لا صيحات المتشددين ولا دعاوى المتاجرين بالدين.
وسيظل التاريخ شاهدًا على أن أصحاب الأفكار المسمومة قد ينجحون في إثارة الضجيج لبعض الوقت، لكنهم لا يستطيعون إيقاف مسيرة وطن، ولا حجب نور علم، ولا إطفاء شمس الحقيقة. أما الأوطان الراسخة، والعقول المستنيرة، والإيمان الصحيح، فإنها تنتصر دائمًا، لأن الله جعل البقاء للحق، وجعل الزبد يذهب جفاءً، وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. ولذلك فإن مسؤولية كل صاحب قلم، وكل معلم، وكل داعية، وكل أب وأم، أن يكون حصنًا للوعي، وسدًا منيعًا في وجه كل فكر متطرف أو مسموم، حتى يبقى الوطن آمنًا، ويبقى الدين نقيًا كما أنزله الله، ويبقى العلم منارة تهدي العقول إلى طريق الرشد والنهضة والبناء.












مديرة أعمال أنغام تستأنف على حكم حبسها شهرا بتهمة دهس شاب
حيثيات قبول طعن الملك أحمد فؤاد الثاني على قرار إخلاء مكتب محاماة...
إصابة 8 أشخاص في حادث تصادم بطريق القاهرة - الفيوم الصحراوي
اعترافات سوداني متهم بتعاطي المخدرات في عين شمس
أسعار الدولار رسميا في مصر اليوم السبت
سعر الذهب اليوم الجمعة 17 يوليو 2026 في محلات الصاغة..
سعر الذهب في نهاية تعاملات الأربعاء 15 يونيو 2026..
أسعار الفراخ والبانيه اليوم الأربعاء بالأسواق