الثلاثاء 28 يوليو 2026 03:26 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

جمال المتولى جمعة يكتب: الطبقة الوسطى .. أزمة معيشية ومستقبل غامض

الكاتب الكبير جمال المتولى جمعة
الكاتب الكبير جمال المتولى جمعة

لم تكن الطبقة الوسطى يوما مجرد شريحة اجتماعية بين الاغنياء والفقراء بل كانت عبر التاريخ صمام الامان لآى مجتمع وتشكل العمود الفقرى للاقتصاد وتحمل قيم العمل والانتاج والتعليم والانضباط فمن رحمها خرج العلماء والاطباء والمهندسون والمعلمون والقضاة والموظفين وبأستقرارها استقرت المجتمعات وبقوتها ازدهرت الاقتصاديات
لكن هذه الطبقة على اختلاف مستوياتها العلمية والوظيفية من الموظفين الى اساتذة الجامعات ومن اصحاب المهن الحره الى مديرى المؤسسات اصبحت اليوم تعانى من عجز متزايد عن تحقيق ابسط متطلبات الحياة التى كان من هم فى مواقعهم قادرين على تحقيقها قبل سنوات قليلة
لم تعد المشكلة مجرد ارتفاع فى الاسعار أو تراجع فى القوة الشرائية بل اصبحت شعورا عاما بفقدان العدالة الاجتماعية واتساع الفجوة بين الدخول وتكاليف المعيشة حتى بات كثيرون يشعرون بأنهم يعملون أكثر ويحصلون على أقل مع الضغوط الاقتصادية المستمرة تراجعت القدرة على الادخار وتأخر الزواج وصار امتلاك مسكن أو تعليم جيد أو رعاية صحية مناسبة حلما بعيد المنال بالنسبة لقطاعات واسعة من ابناء الطبقة الوسطى
ولم يعد الفقر اليوم هو الفقر الذى عرفته الاجيال السابقة ففى الماضى كان الفقير يرى الجميع من حوله يعيشون ظروفا متقاربه أما اليوم فقد اصبح يقارن حياته بما يراه يوميا عبر وسائل الاعلام والدراما ومنصات التواصل الاجتماعى التى تعرض انماطا من الثراء الفاحش والاستهلاك المترف فيتضاعف الاحساس بالحرمان وتتسع الفجوة النفسية قبل الاقتصادية بيمن من يملكون كل شىء ومن يكافحون من أجل اساسيات الحياة
ان أخطر مايواجه المجتمعات ليس وجود الاغنياء أو الفقراء فالفوارق الاجتماعية موجودة فى كل دول العالم وأنما الخطر الحقيقى يكمن فى تأكل الطبقة الوسطى واختفائها تدريجيا .
فعندما تنكمش هذه الطبقة يختل ميزان المجتمع وتتراجع فرص الحراك الاجتماعى ويزداد الاحتقان وتضعف الثقة فى المستقبل لان المجتمعات لا تستقر عندما تنقسم الى اقلية تحتكر الثروة والفرص واغلبية تكافح من أجل البقاء
فالطبقة الوسطى ليست مجرد مستهلك بل هى المستثمر فى تعليم ابنائه والداعم للانتاج والممول الرئيسى للاقتصاد من خلال العمل والادخار والاستهلاك وهى الضمانه الحقيقية لاستمرار التنمية والاستقرار وكلما تأكلت اصبحت البنية الاجتماعية أكثر هشاشة.
إن اعادة بناء الطبقة الوسطى ليست ترفا اقتصاديا ولا شعارا سياسيا بل ضرورة وطنية لضمان الاستقرار والتنمية ويتطلب ذلك سياسات اقتصادية واجتماعية تحقق عدالة توزيع ثمار النمو وتدعم الانتاج والاستثمار وترفع الدخول الحقيقية بما يتناسب مع تكاليف المعيشة وتوفر فرص العمل اللائق وتكفل تكافؤ الفرص بين المواطنين .
فحين يشعر المواطن ان ثمرة عمله تكفيه وأن الكفاءة والاجتهاد هما طريق التقدم , يستعيد ثفته فى وطنه ويعود الامل الى نفوس الأبناء والاحفاد أما إذا استمر انكماش الطبفة الوسطى فإن المجتمع يخسر أهم ركائزة ويصبح الاستقرار نفسه مهددا لآن قوة الأمم لا تقاس فقط بما تملكه من ثروات بل بما تملكه من طبقة وسطى قوية واثقة وقادرة على بناء المستقبل


#جمال المتولى جمعة
كاتب وباحث اقتصادى ومحام بالإستئناف العالى ومجلس الدولة

جمال المتولى جمعة الطبقة الوسطى .. أزمة معيشية ومستقبل غامض الجارديان المصريه