الخميس 27 أغسطس 2026 09:02 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د. محمد هناء الدين يكتب: العنف والعنف المضاد

الكاتب والفنان الكبير د. محمد هناء الدين
الكاتب والفنان الكبير د. محمد هناء الدين

لم تعد ظاهرة العنف في مجتمعنا مجرد جرائم متفرقة نقرأ عنها في صفحات الحوادث ثم ننتقل إلى الخبر التالي، فثمة شيء أعمق يستحق أن نتوقف أمامه طويلا، شيء يشبه العدوى التي لا تنتقل بالدم وإنما بالغضب، ولا تحتاج إلى سلاح كي تبدأ، فقد تبدأ بكلمة وتنتهي بجريمة
المخيف في بعض جرائم العنف التي نراها اليوم ليس فقط بشاعة النتيجة، وإنما تفاهة البداية، خلاف على مبلغ من المال، مشادة بين جارين، مشكلة بين زوجين، كلمة اعتبرها أحدهم إهانة، نظرة فهمت باعتبارها تحديا، منشور على مواقع التواصل، أو حتى محاولة للتدخل وفض مشاجرة، ثم فجأة يصبح الإنسان أمام جثة أو أسرة فقدت أحد أفرادها
كيف وصلنا إلى هذه اللحظة التي أصبحت فيها بعض الخلافات تحتاج إلى منتصر ومهزوم، بدلا من أن تحتاج إلى عقل يحلها
هنا يظهر مفهوم أخطر من العنف نفسه وهو العنف المضاد
العنف المضاد لا يعني فقط أن يرد شخص على اعتداء باعتداء، وإنما يعني أن يتحول العنف إلى لغة متبادلة، كل طرف يرى نفسه ضحية ويرى عنفه دفاعا عن كرامته أو حقه أو أسرته، فيصبح الجميع على حق في نظر أنفسهم، والجميع في الوقت نفسه مشاركون في إنتاج الكارثة
أخطر ما يفعله العنف أنه يقنع الإنسان بأنه مضطر إليه
الذي يضرب يقول إنه كان يدافع عن نفسه، والذي يقتل يقول إن الآخر استفزه، والذي ينتقم يقول إن القانون لم ينصفه، والذي يهين يقول إنه يرد على إهانة، وهكذا تتحول الجريمة من فعل اختياري إلى شيء يبدو لصاحبه وكأنه نتيجة حتمية لما فعله الآخر
وهنا تبدأ الدائرة
أنا أؤذيك لأنك آذيتني، وأنت تؤذيني لأنني آذيتك، ثم يأتي ثالث لينتقم لك، ورابع لينتقم منه، حتى يصبح المجتمع كله يعيش داخل سلسلة من الحسابات المفتوحة
العنف لا ينتهي عندما ينتصر طرف
العنف ينتهي عندما يقرر طرف ما أن يوقف السلسلة
وهذه هي النقطة التي نفتقدها كثيرا
لقد أصبح مفهوم الكرامة عند البعض مرتبطا بالقدرة على الرد، وكأن التراجع عن الاشتباك هزيمة، وكأن التسامح ضعف، وكأن الاعتذار انكسار، وكأن ترك الخصم دون عقاب إهانة شخصية
لكن الحقيقة عكس ذلك تماما
الإنسان القوي ليس الذي يستطيع أن يؤذي غيره، وإنما الذي يستطيع أن يمنع نفسه من إيذائه وهو قادر على ذلك
والمجتمع القوي ليس الذي تمتلئ شوارعه بمن يحملون السلاح، وإنما الذي يستطيع أفراده حل خلافاتهم دون أن يتحول كل اختلاف إلى معركة
ولا يمكن أن نفصل ظاهرة العنف عن الضغوط التي يعيشها الإنسان ضغوط اقتصادية ونفسية واجتماعية، إحباطات متراكمة، مشكلات أسرية، شعور بالظلم، ضعف القدرة على الحوار، وانتشار محتوى عنيف يجعل الدم مشهدا متكررا على شاشاتنا
لكن من الخطأ أيضا أن نختصر المسألة في الفقر أو الغلاء أو المخدرات أو مواقع التواصل
هذه كلها عوامل قد تساعد على إشعال النار، لكنها ليست النار نفسها
النار الحقيقية هي انهيار القدرة على إدارة الخلاف
أن يختلف شخصان دون أن يكره أحدهما الآخر، وأن يغضب الإنسان دون أن يتحول غضبه إلى عدوان، وأن يشعر بالإهانة دون أن يبحث عن فرصة للانتقام، وأن يعرف أن القانون موجود لكي يأخذ له حقه لا لكي يأخذ حقه بيده
وهنا يأتي دور الدولة، لكنه ليس دور الدولة وحدها
الدولة تستطيع أن تضبط السلاح، وتطبق القانون، وتلاحق الجريمة، وتحمي الضحايا، وتردع المعتدين، لكنها لا تستطيع أن تضع شرطيا داخل كل بيت أو خلف كل هاتف أو داخل كل عقل
هناك جزء من المعركة يجب أن تخوضه الأسرة والمدرسة والإعلام والمؤسسة الدينية والمجتمع المدني
نحن نحتاج إلى إعادة تعليم الإنسان معنى الاختلاف
نحتاج إلى أن نربي أبناءنا على أن كلمة "لا" ليست إهانة، وأن الخلاف ليس عداء، وأن الخسارة في مشاجرة أهون ألف مرة من أن تربح المشاجرة وتخسر عمرك، وأن الاعتذار لا ينتقص من الرجولة، وأن ضبط النفس ليس جبنا
ونحتاج أيضا إلى إعلام يتعامل مع الجريمة باعتبارها مأساة إنسانية لا عرضا مثيرا
فحين نعيد نشر مشاهد الدم، ونحول القاتل إلى شخصية مشهورة، ونبحث عن أكثر التفاصيل إثارة، قد نكون من حيث لا ندري نساهم في جعل العنف مادة للفرجة والتقليد
إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن تظهر فيه جريمة، فالجريمة موجودة في كل المجتمعات، وإنما أن يصبح العنف مقبولا كوسيلة لحل الخلاف
عندها لا يعود القاتل وحده هو المشكلة
تصبح الثقافة التي أنتجت القتل جزءا من المشكلة
العنف والعنف المضاد دائرة مغلقة، وكل طرف فيها يعتقد أنه يرد على الطرف الآخر، بينما الحقيقة أن الاثنين معا يدفعان المجتمع إلى المكان نفسه
نحن لا نحتاج إلى مجتمع لا يغضب، فهذا مستحيل
نحتاج إلى مجتمع يعرف ماذا يفعل بغضبه
لا نحتاج إلى بشر بلا خلافات، فهذا ضد طبيعة البشر
نحتاج إلى بشر يعرفون كيف يختلفون دون أن يتحول الاختلاف إلى كراهية، والكراهية إلى انتقام، والانتقام إلى دم
فربما تكون المعركة الحقيقية التي نحتاج إلى خوضها اليوم ليست ضد الجريمة فقط، وإنما ضد الفكرة التي تسبق الجريمة
فكرة أن العنف هو الحل
لأن الإنسان الذي يقتنع بهذه الفكرة قد لا يحتاج إلا إلى لحظة غضب واحدة كي يتحول من شخص عادي إلى جريمة تمشي على قدمين
أما إذا استطعنا أن نكسر الفكرة قبل أن تبدأ، فقد نكون أنقذنا إنسانا من أن يصبح قاتلا، وأنقذنا أسرة من أن تصبح ضحية، وأنقذنا مجتمعا كاملا من الدخول في دائرة لا يعرف أحد أين تنتهي
العنف لا يولد من العنف وحده، وإنما يولد أحيانا من إنسان لم يتعلم كيف يختلف دون أن يدمر الآخر. والعنف المضاد ليس عدالة، بل هو العنف نفسه مرتديا ثوب الضحية.

د. محمد هناء الدين محمد هناء الدين العنف والعنف المضاد الجارديان المصريه