الخميس 27 أغسطس 2026 09:17 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

بعد خمسة جرائم قتل لأسر كاملة في عام واحد...

أحمد سمير صلى يكتب : اوقفوا مهزلة محكمة وقوانين الأسرة في مصر فورااا.. حتى لا تتحول الخلافات على النفقة وغيره إلى جلسة صلح تنتهي بالدم !!

الكاتب الصحفي الكبير احمد سمير صلى
الكاتب الصحفي الكبير احمد سمير صلى

لم تعد قضايا الأسرة في مصر مجرد أوراق تتكدس داخل ملفات المحاكم، ولا مجرد أرقام في جداول النفقة والحضانة والرؤية والتمكين.

وراء كل حكم أسرة حكاية إنسانية، ووراء كل متجمد نفقة أسرة تعاني، ووراء كل حكم بالحبس زوج أو أب قد يجد نفسه أمام أزمة مالية وقانونية ونفسية متشابكة.
لكن السؤال الأخطر الذي يجب أن يطرح نفسه اليوم هو: ماذا يحدث عندما تتحول منظومة تسوية النزاعات الأسرية من وسيلة لإنقاذ الأسرة إلى محطة جديدة لتصعيد الصراع؟
مذبحة 15 مايو.. حين انتهت جلسة الصلح بأربع جثث
أحدث الوقائع وأكثرها صدمة وقعت في مدينة 15 مايو بالقاهرة خلال أغسطس 2026.
بحسب ما أعلنته جهات التحقيق وما نشرته وسائل إعلام، أقدم مهندس على إطلاق النار خلال لقاء عائلي كان يستهدف تسوية الخلافات مع طليقته، فسقطت ابنته وثلاثة من أقارب طليقته قتلى، فيما أصيب آخرون.
الأخطر أن خلفية الواقعة، وفق تقارير صحفية، تضمنت نزاعًا على النفقة ومتجمدات مالية كبيرة، مع وجود أحكام قضائية ضد المتهم، وذكرت مصادر أن المتجمد وصل إلى نحو 480 ألف جنيه، بينما تحدثت مصادر أخرى عن اقترابه من 500 ألف جنيه.
وبحسب ما نقلته التحقيقات الصحفية، كانت هناك جلسة صلح لمحاولة إنهاء النزاع، لكنها تحولت إلى مأساة دامية.
هنا يجب أن نتوقف.
ليس لأن النفقة تبرر الجريمة ــ فلا شيء يبرر قتل إنسان ــ ولكن لأن الواقعة تكشف أن بعض النزاعات الأسرية أصبحت تحتاج إلى آليات حماية ووساطة أكثر تطورًا قبل أن تصل إلى نقطة الانفجار.
هل الحبس يعالج المشكلة أم يؤجلها؟
القانون يتيح، في حالات محددة، اللجوء إلى الحبس بسبب الامتناع عن سداد النفقة المستحقة وفق الإجراءات القانونية.
لكن السؤال الاجتماعي الذي يجب ألا نهرب منه هو:
إذا كان الرجل عاجزًا فعلًا عن سداد مئات الآلاف من الجنيهات، فماذا سيحدث بعد خروجه من الحبس؟
هل سيصبح أكثر قدرة على السداد؟
هل ستعود الأسرة إلى الاستقرار؟
هل سيجد الأب مصدر دخل يستطيع من خلاله الوفاء بالتزاماته؟
أم أننا نكون قد نقلنا المشكلة من داخل منزل متوتر إلى سجن، ثم أعدناها إلى المجتمع بعد انتهاء مدة الحبس؟

هذه ليست دعوة لإلغاء حقوق الزوجة أو الأطفال، وإنما دعوة إلى تطوير أدوات تنفيذ الأحكام بحيث تحقق الهدف الأساسي: وصول النفقة إلى مستحقها، مع الحفاظ على قدرة المنفق على العمل والإنتاج وسداد ما عليه.

وليست كل جرائم الأسرة بسبب النفقة.. وهنا يجب أن نكون أكثر دقة..
شهد عام 2026 عددًا من جرائم قتل الزوجات والأسر، لكن لا يمكن صحفيًا وضعها جميعًا في سلة واحدة والقول إن سببها هو متجمد النفقة أو أحكام الحبس.

ففي الإسكندرية، على سبيل المثال، صدر حكم بالإعدام في قضية قتل زوجته طعنًا، وأشارت التحقيقات إلى خلافات متراكمة حول النفقة، لكن هذه الواقعة تختلف عن مذبحة 15 مايو من حيث الضحايا والظروف والتفاصيل القانونية.
وفي وقائع أخرى خلال العام نفسه، كانت الأسباب المعلنة خلافات أسرية دون أن تثبت المصادر وجود حكم حبس بسبب متجمد نفقة قبل الجريمة.

وهنا تكمن مسؤوليتنا ككتاب وكصحفيين: ألا نحول التشابه في العنوان إلى تشابه في السبب.

إذن... أين تكمن الأزمة؟
الأزمة ليست في أن الزوجة تطالب بحقها.
وليست في أن الطفل يحتاج إلى نفقة.
وليست في أن القانون يجب أن يحمي الطرف الأضعف.

الأزمة الحقيقية تبدأ عندما يصبح النزاع الأسري معركة مفتوحة بلا نهاية: دعوى نفقة، استئناف، متجمدات، إعلان، دعوى حبس، اعتراضات، أحكام متبادلة، حضانة، رؤية، تمكين، إنذارات، ومحاضر شرطة.
وفي النهاية قد يتحول الطرفان من زوج وزوجة كان بينهما بيت وأطفال إلى خصمين يتعامل كل منهما مع الآخر من خلال محامٍ ومحضر وإعلان قضائي.
وهنا يجب أن نسأل:
هل محكمة الأسرة تؤدي فقط وظيفة الفصل في النزاع، أم يجب أن تكون جزءًا من منظومة متكاملة لإعادة الهدوء إلى الأسرة أو إنهاء النزاع بأقل خسائر ممكنة؟

نحن بحاجة إلى قانون يحمي الطفل أولًا
الطفل هو الطرف الذي لا يملك أي ذنب في خلافات والديه.
إذا كان الأب مدينًا بالنفقة، فيجب ضمان وصول المال إلى الطفل.
وإذا كان الأب عاجزًا عن السداد، فيجب أن تكون هناك آليات عملية لمساعدته على السداد، وجدولة المتجمدات بصورة قابلة للتنفيذ، ومساعدته على الوفاء بالتزاماته دون أن يتحول إلى شخص خارج سوق العمل.

وفي المقابل، يجب ألا تتحول النفقة إلى أداة انتقام، كما نرى وكما يحدث، ويجب ألا يتحول الامتناع عن دفعها إلى وسيلة للضغط على الأم والأطفال.
الحق حق، والطفل ليس سلاحًا في معركة الطلاق !!


وماذا عن جلسات الصلح؟
ربما تكون هذه هي النقطة الأكثر إلحاحًا بعد واقعة 15 مايو.
جلسة الصلح العائلي يمكن أن تنقذ أسرة.
لكنها قد تصبح خطيرة إذا كان هناك تاريخ من التهديدات أو العنف أو النزاع الحاد أو أحكام قضائية متراكمة.
لذلك فإن جلسات التسوية في النزاعات الأسرية شديدة التوتر تحتاج إلى تقييم للمخاطر، وعدم جمع أطراف النزاع في مكان واحد لمجرد أن القانون أو العرف يفضل الصلح.
فالصلح الحقيقي يحتاج إلى أمان أولًا، ثم تفاوض.

خمس وقائع قتل ؟!! الحقيقة أهم من الرقم
من السهل أن نكتب عنوانًا مثيرًا ونقول إن «خمس جرائم قتل وقعت بسبب متجمد النفقة وأحكام الحبس».
لكن البحث في الوقائع المنشورة حديثًا يكتشف مدى الأزمة التي اعترت المجتمع النثري لعل من اهم أسبابها الكذب من الزوجين لإثبات حقوق لايا منهما لا يستحقها.

والمؤكد حاليًا أن مذبحة 15 مايو تمثل إنذارًا بالغ الخطورة، لأنها جمعت بين نزاع أسري حاد، ومتجمد نفقة كبير، وأحكام قضائية، ومحاولة صلح انتهت بمقتل أربعة أشخاص وإصابة آخرين.
وهذه الواقعة وحدها تكفي لفتح نقاش جاد حول منظومة قوانين الأسرة وآليات تنفيذ أحكام النفقة.
لا نريد قانونًا ينتصر فيه أحد ويخسر الطفل
المطلوب ليس قانونًا ينتصر فيه الرجل على المرأة.
ولا قانونًا تنتصر فيه المرأة على الرجل.

المطلوب قانون ينتصر فيه الطفل والأسرة والمجتمع.
قانون يضمن النفقة لمن يستحقها، ويحمي الأبناء من الفقر، ويمنع استخدام الطفل كورقة ضغط، ويضمن للزوجة حقوقها، وفي الوقت نفسه يضع حلولًا واقعية للمتعثر الحقيقي بدلًا من دفعه إلى دائرة لا تنتهي من الديون والأحكام والحبس.
لأننا عندما نصل إلى مرحلة تتحول فيها جلسة الصلح إلى مسرح جريمة، فالمشكلة لم تعد مجرد خلاف بين زوجين.
إنها إشارة إنذار تقول إن منظومة إدارة النزاعات الأسرية تحتاج إلى مراجعة حقيقية.

ويبقى الكذب والتلفيق بين الزوجين لاستيلاء أياً منهما على ما لا يستحقه، وافتراء احدهما على الآخر واستيلاء احدهما على تعب الآخر.. أسباب رئيسية للانهيار الأسري !!

والسؤال الذي يجب أن يظل مفتوحًا أمام المشرّع والقضاء والمجتمع:
كم أسرة يمكن إنقاذها قبل أن تتحول أوراق محكمة الأسرة إلى دماء على الأرض؟

أحمد سمير صلى مقالات احمد سمير صلى اوقفوا مهزلة محكمة وقوانين الأسرة في مصر فورا الجارديان المصريه