الخميس 26 نوفمبر 2020 08:55 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

خارج الحدود

جائحة كورونا خفضت معدلات التلوث عالميا

كورونا
كورونا

قد يكون انقشاع التلوث من سماء كبريات المدن في العالم إحدى إيجابيات تدابير الحجر المرتبطة بجائحة كوفيد-19، علمًا أن الخبراء يعتقدون أن تلوث الهواء يفاقم على الأرجح خطورة الإصابات بفيروس كورونا الذي يصيب الجهاز التنفسي.

وأظهرت دراسات عدة انخفاضًا مذهلًا في بعض الأحيان في تركيز بعض ملوثات الهواء في الولايات المتحدة والصين وأوروبا، بفعل الأزمة الاقتصادية الناجمة عن إجراءات احتواء تفشيّ فيروس كورونا المستجد التي عمّت كل أنحاء العالم، وما تضمنته هذه الإجراءات من قيود على التنقلات والحركة المرورية.

وكان التأثير واضحًا بشكل خاص في ما يتعلق بثاني أكسيد النيتروجين والجسيمات. فعلى سبيل المثال، خلال تطبيق تدابير الإقفال في فصل الربيع، شهدت إسبانيا انخفاضًا بنسبة 61 في المئة في ثاني أكسيد النيتروجين في الهواء، وبلغ هذا الانخفاض 52 في المئة في فرنسا و48 في المئة في إيطاليا، وفقًا لوكالة البيئة الأوروبية.

ولاحظ بعض الخبراء إن هذا التراجع، حتى لو كان ظرفيًا وموقتًا، ساهم من دون شك في إنقاذ عدد من الأرواح، إذ أن تلوث الهواء مسؤول عن سبعة ملايين حالة وفاة مبكرة سنويًا في كل أنحاء العالم.

وقالت خبيرة جودة الهواء في جامعة نوتردام في إنديانا باولا كريبا في تصريح لوكالة فرانس برس "نعتقد أن 2190 وفاة مرتبطة بتلوث الهواء تم تجنبها في أوروبا خلال الحجر الذي طبق في الربيع، في مقابل تفادي 24200 وفاة في الصين، في ما يتعلق بالآثار على المدى القصير (وخصوصًا تلك الحادة المرتبطة بالتلوث الشديد للغاية)".

واضافت "أما من حيث التأثير الطويل المدى (مشاكل الجهاز التنفسي المزمنة، وأمراض القلب والأوعية الدموية، وسرطان الرئة...)، فإن عدد الوفيات التي تم تجنبها أعلى بكثير"، ويراوح بين 13600 و29500 في أوروبا، وبين 76400 و287000 بالنسبة إلى الصين، وفقًا لسيناريوهات متنوعة.

وقدّر مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف عدد الوفيات التي تم تجنبها بفضل تدابير الحجر الربيعية بـ11 ألفًا في أوروبا. وقالت لوري ميليفيرتا من المركز "ما لم يسجَّل انتعاش كبير في التلوث، وهو ما لا أعتقد أنه سيحصل، فإن الانخفاض في استهلاك الوقود الأحفوري في عام 2020 سيكون ساهم في خفض تعرض الأوروبيين للتلوث على المدى الطويل وسيؤثر ذلك على المخاطر الصحية على المدى نفسه".

وإذا كان إنقاذ هذه الأرواح يمثل جانبًا إيجابيًا للوباء الذي أودى بحياة 1،3 مليون شخص حتى الآن، فإن هذه التجربة هي قبل كل شيء، بالنسبة للمدافعين عن الهواء الصحي، دليل إضافي على الحاجة إلى محاربة هذا التلوث الضار.

وتُعزز هذا الاقتناع مجموعة من الدراسات التي تُبرز احتمال وجود تأثير سلبي لتلوث الهواء لجهة زيادة حدة الإصابات بكوفيد-19 واحتمالات الوفاة الناجمة عنه.

ولاحظت لوري ميليفيرتا أن "النتائج جاءت متشابهة في سياقات وبلدان مختلفة جدًا، مما يُظهر أن الأدلة المجمّعة بدأت تصبح قوية".

وبيّنت دراسة نُشرت في نهاية أكتوبر في "كارديوفاسكولار ريسيرتش" المتخصصة في أبحاث القلب والأوعية الدموية، أن التعرّض السابق على المدى الطويل للجزيئات الدقيقة "بي إم 2،5" أدى إلى زيادة معدل الوفيات المرتبطة بكوفيد-19 بنسبة 15 في المئة على مستوى العالم، مع وجود تفاوتات بحسب المنطقة (27 في المئة في شرق آسيا، و19 في المئة في أوروبا، و17 في المئة في أميركا الشمالية).

وفي الواقع، ثمة أهداف يلتقي على مهاجمتها فيروس كورونا وجزيئات "بي إم 2،5" المتهمة أصلًا بالمساهمة في أمراض القلب والأوعية الدموية والرئة.

وقال طبيب القلب في جامعة ماينز للطب الدكتور توماس مونزل لوكالة فرانس برس، وهو من المشاركين في الدراسة، إن فيروس كورونا يتسبب كهذه الجزيئات بالتهاب الأوعية الدموية في الرئتين، وبالالتهاب الرئوي الثانوي، وارتفاع ضغط الدم، وكذلك احتشاء عضلة القلب وقصور القلب".

وشرح مونزل أن المصابين أصلًا بأمراض القلب والأوعية الدموية "يتعرضون لخطر أكبر إذا أصيبوا بفيروس كورونا".

وأظهرت تحليلات أكثر من ثلاثة آلاف مقاطعة في الولايات المتحدة أن الزيادة في متوسط تركيز الجسيمات الدقيقة بمقدار ميكروغرام واحد في المتر المكعّب تقابل زيادة بنسبة 11 في المئة في معدل الوفيات المرتبطة بفيروس كورونا.

لكنّ معدّي هذه الدراسة التي نشرت في مطلع تشرين الثانينوفمبر الجاري في "سيانس أدفانسز"، حذروا مع ذلك من المبالغة في تفسير هذه المعطيات الإحصائية، مؤكدين أن ثمة حاجة إلى مزيد من الدراسات.

أما أثر التعرّض لتلوّث الهواء خلال الإصابة بالفيروس، فليس معروفًا بعد.

وعلّق الدكتور مونزل قائلًا "أنا متأكد من أن الانخفاض القصير المدى في تلوث الهواء له تأثير، مع أن لا بيانات لدينا في هذا الصدد في الوقت الراهن".

وقد بدأت تظهر دلائل أيضًا حول آلية التفاعل، ولا سيما دور مستقبلات "إيه سي إي- 2" التي تسهل دخول فيروس كورونا سارس-كوف-2 إلى الخلايا.

وهذا الدور وصفته في الربيع مجلة "جورنال أوف إنفيكشن" بـ"فرضية الضربة المزدوجة"، بمعنى أن الجسيمات الدقيقة تساهم في إتلاف هذه المستقبلات مما يسمح لمزيد من الفيروسات بدخول جسم المريض المصاب، وهو وضع قد يتفاقم بسبب التعرض المزمن لثاني أكسيد النيتروجين مما يضعف الرئتين.

ويُعتبَر هذا الوضع مصدر مخاوف بصورة خاصة في بعض البلدان الملوثة التي تتعرض لموجة ثانية من الفيروس، مثل الهند.

وفي هذا الإطار، نبّهت لوري ميليفيرتا إلى أن هذا الأمر "يشكّل بلا شك سببًا كبيرًا لقلق مرضى كوفيد" مع حلول فصل الشتاء، وهو "موسم التلوث".