الجمعة 22 أكتوبر 2021 06:36 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

فنون وثقافة

الأديبة مى علام تكتب : الزائر الأزلى...من المجموعة القصصية ( لا مفر )

الأديبة مى علام
الأديبة مى علام

الزائر الأزلى

-1-

ليس لديه هوية.. هويته هى تطوير ذاته.. لا يرحم أحد ملكًا كان أو شحاذًا الكل يبغضه، لكن هو عن قناعة وزهو يخبرك أنه ليس من المحرمات، هو موجود منذ وجودك، سبب لتخفيف ذنوبك التى وصلت لعنان السماء، كامن فقط حتى تأتيه الإشارة الإلهية ليبدأ عملية الإبادة الفردية أو الجماعية.. الإفتراس.

ها أنا راقدة أسترق السمع إليك، أراقبك وأنت تحتلنى من قمة رأسى حتى أخمص قدماى، تتلذذ كلما فرضت نفوذك على مكان ما، أنت لص عبقرى، محتل عديم الرحمة، لا تعقد إتفاقيات، تتسلل بخفية تدرس بتأنى ثم.. تقتنص جسدى، تستنشق أنفاسى، ترى بعيونى، تدفعنى دفعًا لأمتثل لأوامرك .

بالأخير أنا لم أولد عبده، لم يكن هذا قط فى حسبانى يوم ما ولكن؟ ها أنا صرت عبده ذليلة، أنت من يحنو ويقسو علي كما يحلو له.. ولكن ياعزيزى لا أنكر أنك عندما داهمتنى أصابنى الفزع من هول المفأجاة بهذه الزيارة الكريهة .

أسوء زيارات التاريخ الإنسانى، الجميع يلعنك، يدعو ليل نهار ألا تزوره حتي لا يصاب بالسقم، كل ما فى الكون من روح يبغض زيارتك السقيمة، ولكن وجودك حتمى وأزلى، ولامفر من الإعتراف بأن وجودك يعطي معني للحياة.

رغم ذلك، قد ألفتك وصرت أعشقك وأتلذذ بما تفعله بى رغمًا عنى، أنصت إليك وأنت تزحف ببطء وتدعبس هنا وهناك،هذا يروقك وهذا لا.

-2-

بعد شهور أو أعوام تصير وحش نمت مخالبه وأنيابه بشكل لابد له من إنهاء مهمته الأخيرة، ومع الأنقضاضة الأخيرة تنتهى مهمتك معى، ألاحظ فى مقلتيك الحزن لأن دورك انتهي معى، لا تحزن ستكمن قليلًا وستحصد الملايين من البشر.. هذه لعبتك المفضلة أنسيت؟.

كنت عاقدة العزم على التنزه قليلاً ولكن جئت إلى فقررت البقاء أرحب بك وألهو معك مراعاة لمشاعرك القاسية، الزائفة، أقدم لك كل موجبات الترحاب والطاعة.. عذرًا فأنت لست بالسادى العادى.

أرتميت على فراشى مرددةً &أهلاً معذبى&، لم يهتم بترحابى.

أنصت إليه..، حسنًا هو الأن فى ركبتاى يقوم بمهاجمتى بعنف ظنًا منه أنني سأصرخ وأتوسل إليه أن يتركنى لاااا.

قبعت ساكنة، لا لن أفعل ذلك، لن أصبح لك عبده ولن أجعلك تشعر بذلك أبدًا وتتلذذ ببكائى وآهاتى فقط، أصنع ما يحلو لك وأنا سأحتمل.

ضحكت فى ألم، أنا أيضًا أيها الماكر استمع إليك فقد أدمنت صوتك، صارأحب إلى من أعظم المعزوفات الموسيقية.

الطريقة التى تلهو بها فى جسدى بت أعشقها.. ها.. ألم.. ألم، آه لو تعلمون ماذا يصنع الألم؟

يحفزك لإدراك ماهية وجودك، فصوت الألم يطغو على سائر الأصوات، يفصلك عن كل الموجودات، كل ما تفكر فيه هو كيف تتخلص من هذا السقم الذى يمتص رحيق حياتك ببطء شديد.

والآن أيها المقيت أريد أن أذهب للحمام .

هل أذنت لي؟ وإلا سأبلل الفراش .

أخيرًا وبعد محاولات مضنية من إقناعه وافق ولكن بشرط.. سأسير بطريقته هو وليس بطريقتى، وافقت رغمًا عني فهو معذبى.

-3-

سرت ببطء أرتكن للحائط أدفع قدمى بصعوبة كأنها مكبلة بالأغلال، بعدما أنتهيت أبتسمت بنصر وسخرية متحدية إياه، فلم يعجبه فأوقعنى أرضًا، زحفت بصعوبة شديدة وتمكنت بعد معاناة من النهوض وعدت للفراش، حاولت النوم على إضاءة خافتةً ولكن شعر بذلك فضاعف من الآلام هنا وهناك.

أبتسمت فى مرارة، إذا أنت لا تريدنى أن أتركك بمفردك، تريد الونيس، ألا يكفيك جسدى الذى أضنيته معك، لا بالطبع تريد الوعى، تريد أن أكون واعية لجميع ألاعيبك المؤلمة القذرة.. يا إلهي كم أنت سادى، أعظم وأحقر سادى فى التاريخ.

هدفك الحصاد. .حقًا كتب التاريخ لم توافيك حقك كالأخرين من أعتى الطغاة، حاولت أن أحرك أصابع كفى المتورمة ولكن كان الأسرع، قبض عليها كالكلابة، عضضت شفتاى من الألم ولكن لن أصرخ.. مما أثار حنقه ودفعه إلى الإتيان بأمر ما أجهله.

أسمع صوت خطواته وهو يزحف إلى ولكن إلى أين؟ آه آه يا لعين، لا أستطيع أن ألتقط أنفاسى أشعر بالإختناق، كأن هواء الغرفة كله نفد ولم يتبقى لى شيئاً أستنشقه ..هيهات لن أطلب منك الرحمة، الإختناق أفضل.

-4-

قليلاً وشعرت بعدها أننى أتنفس بسهولة وعاد لونى لطبيعته، مرددة لنفسى أنه لا يريد روحى الآن فتركنى، لاحت على وجهى ابتسامة نصر رغم جهلى بما يجول بخاطره ..حتمًا أمر سىء، لأننى أثرت حنقه بعدم أستسلامى.

جاءت أمى تحملي لي الطعام وبصوت يملئه حنان ورحمة كل الأرض تترجانى أن أتناوله، هززت رأسى بالموافقة، شرعت أحاول أن ألتقط الشوكة لكى أبدًا ولكن لم أستطع، اللعين يكبلني فجلست أمى بقربى وبدأت تطعمنى.. العجيب أننى كنت جائعة كيف لم أشعر بذلك؟

بعد هذه السيمفونية الرائعة لصوت الأشواك والملاعق وأسنانى وهى تلوك الطعام شعرت بالتحسن قليلاً، ولكن هيهات حينما شعر بتحسنى قرر أن يجعل من معدتى دميته المفضلة، فأخذ يسدد لي اللكمات حتى تقلصت معدتى وأفرغت ما فيها.. ألتقط أنفاسى بصعوبة بالغة.

أتت أمى مسرعة نظرت لى بحسرة ونظفت المكان وهى تبكى على ابنتها الراقدة، لا حول لها ولا قوة متسائلة: لماذا أختارنى أنا هذا المرض اللعين وحرمها وحرمنى من كافة متع الحياة، أبسط الحديث معها لم أنبس ببنة شفة حتى انتهت.

أما هو، كان يضحك منتشيًا بإنتصاره، أنا أيضًا منتشية يا أحمق، على الأقل تذوقته ولم تستطع أن تمنعنى من ذلك.. ها ما الذى تنوى فعله الآن؟ أما نفدت حيلك معى؟.. لم أجد رد، فوضعت السماعات فى أذني لأستمع لبعض الموسيقى لجو داسان &الحب يرحل&

-5-

وما هى إلا دقائق معدودة نزعت السماعات وأمسكت برأسى، صداع بشع، فهتفت بصوت أقرب للصراخ حسنًا أيها الأحمق، الحب يرحل وأنت أيضًا سترحل، الجميع سـيرحلون أنا وأنت، لا تعتقد أنك مخلد، سيجىء يومًا لن تجد لك مكانًا بيننا ستنتهى تمامًا وستزول.. نحن فقط الباقون، مسألة وقت.

وضعت رأسى بين كفي، صداع وطنين حاد فى أذنى وقلت لنفسى &لن أعطيك متعتك لن أصرخ& إستجداء لرحمتك سأحتمل لأخر نفس، أنت تأسر جسدى أما عقلى فلا .

هو حريتى ولن تستطيع التحكم فى مشاعرى رغم ما تذيقه لى من بغض وكراهية، سأطلعك سرًا مشاعرى لى لوحدى ولن نتقاسمها سويًا مهما فعلت ووضعتنى فى مزاجيتك يا لعين.

والآن.. الآن سأطلق سراح خيالى لبعض السعادة سأنفصل عنك، ها أنا أرتدى ثوب الزفاف الأبيض وبجوارى فارسى نرقص سويًا، تتعلق عيناه بعينى ويحملنى بين ذراعيه هامسًا لي بأعذب كلمات العشق، يدخلنى أرضه لكى أزرع بداخلى أطفال العشق، ها هم يبكون تارة ويضحكون تارة.. يا إلهي كم رائع هذا الخيال. .أتدرى شيئًا لقد أنتصرت عليك يا معذبى بخيالى أستطيع أن أرقص، أضحك، أحزن، أتناول ما أشتهيه وأطلقت ضحكات خافته نكاية له.

-6-

لكن هو ظل ساكنًا وهى تنتظر هجومه، ظلت ساعات وهو ساكن، قررت النهوض قليلاً حتى أحرك قدماى، بالفعل وجدت نفسى أتحرك بسهولة دون عذاب، حركت أصابع كفى، أستنشقت الهواء، كل شىء طبيعى. قلت بتعجب هذا الأمر لا يريحني مطلقاً.. ماذا تدبر لى أيها اللئيم؟

هل هى الرقصة الأخيرة؟ لا لن أشغل بالى، أصنع ما شئت فقد مللت من آمالك الزائفة، تجعلنى اليوم أفضل وعشرات أسيرة معذبة.

أنت خائن ولكن على الأقل سأستمتع بهذه اللحظة النادرة وسأرقص يا جلاد البشر وقاتلهم.

هيا.. حان وقت رقصتى الأخيرة فلنتشاركها سويًا، فما هى إلا لحظات ونفترق للأبد .

الآن سأنحنى لك ثم تأخذ كفى وتحوطنى بذراعك، وأخذت أتمايل برقة وإنسيابية حتى مل وقرر أن يقوم بضربته الأخيرة.

يبدو أنه يريد أحدًا أخر يسمع صوت صراخه وعذابه، فأنا جامدة كالصخرة.. أتحداه وفى الغالب يبدو أننى ربحت.

-7-

سينتهى منى الآن، القلب سيجعله يتوقف، سيعتصره ويخمد أنفاسى .

وقعت على الأرض واضعة كفى على قلبى، أشعر أنه يراقب جسدى الذى تفارقه روحى، جلس على عرشه قابعًا منتظرًا.. من هو القادم؟

من هو فريسته التى سيلهو بها حتى يمل ويبحث عن الأخرى؟

لا مفر من أننا مجرد دمى، أجساد واهنة، عندما يقرر المرض زيارتها على حين غفلة تخر قوانا، تتشوش عقولنا، نصبح مجرد ورقة شجر تذبل وتجف بمرور الوقت حتى تتمزق لقطع صغيرة تتطاير متفرقة.