الجمعة 17 سبتمبر 2021 12:09 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

فنون وثقافة

الدكتور محمد على ماهر يكتب : سفسطة قرين

الدكتور محمد على ماهر
الدكتور محمد على ماهر

غدى يتلكأ في خطاه المترنحة، تخامره وساوسًا باطنية تثقل ذاته المتشبعة، تستحيل إلى إنسان يجادله مع إنشطاره عن جسده، ينزغه عن نفسه الخانعة، تتردد في أوراه هواجس... توشك ان تدفعه دفعًا فتزج به في كهوف الدراويش، تصارعه حتى تمتطي لسانه فيتلعثم...
تراوغ دماغه ان تطرد ذلك الدخيل، تنعكس على قسمات محياه المتوجس، تسحب وجنتيه فتوارب محجريه، وتعقد حاجبيه فتجحظ حدقتيه، وترسل موجات تتسلق على جبينه العريض، ثم تتسلل من جحر أذنيه إلى أخاديد مخه، فتستلبه إتزانه وسيطرته على أعضاؤه، وتتمركز محاصرة حواسه المستبسلة في الزود عن وعيه، حتى لا تنال الخبيثة من رشده...
تجر انامله خيوط شعره فيتكدر صفاء وجهه وهو يشجبها بفظاظة، ثم تعاود الكرة جاثمة على صدره وقد اعيته مقاومتها، وضاع امله في أن يحتفظ بمخزونه الضئيل من الصواب، يطبق على جبهته في تجهم، فيشعر بقيظ حرارة في غير آوانه، تتصبب قطرات ندية على جبينه لتلطف من حدة الحوار، وأخيرًا عقب عناء مضني تنفغر البوابة الكلامية فيحدثها هامسًا :
إليكِ عني... دعني وشأني
ترد عليه بوقاحة تعتروها ندية مفعمة بالفجور :
كيف وقد إستدعيتني من ضميرك، وها أنا ذا ملاء يمينك
يشيح بيده معقبًا، والمارة تشاهده في تعجب ورثاء، ثم تحوقل (لا حول ولا قوة الإ بالله لقد جن الرجل)، لا ينتبه لمن حوله، ويستمر في حواره الماجن صائحًا :
في كل مرة تقطع على خلوتي، وتعطيني حججًا واهية لخدمة أغراضك الدنيئة
لكنك الآن تحديدًا في أمس الحاجة إلي
لم انت ولع ان اهينك وأحط من كرامتك، ألم تتعظ من الدروس السابقة
من الذي يهان هنا... يضحك بقهقهة ساخرة هههه...أين كرامتك وقد رضيت بالذل والهوان، أما زلت تختزن في ذاكرتك كمٍ من قيم وشعارات لا نفع منها ولا رجاء !
يصرخ هائجًا وسط الشارع، وقد زجته الأمارة بالسوء إلى ثمالة الغضب، بينما كان الموضع يعج بزحام من البشر يسخرون ويتغامزون مقهقهين (ههههه الجدع إتجنن وراحت منه !!!)،

اغرب عن وجهي ايها القبيح، فلن تهنأ لك سريرة إلا بهلاكي...
تصطنع الدعة والرقة بكيد ومكر، فهي صبغتها التي جبلها الله عليها بما فطرها من النقيضين :
ألا ترى أنك تبالغ في ذمك لي وقسوتك علي بلا طائل، يا نسختي أنا مرآتك وأريد مصلحتك، لماذا لم تقبل هذه الحقيبة التي تزخم بنقود أنت محروم منها، ألا ترغب أن يتغير حالك الذي يستحق الرثاء، وتتبدل معيشتك الضنكاء، وتودع حساب لك في إحدى البنوك الكبيرة حتى تنفق وتبذخ وتتمتع مثل أترابك أنت وعائلتك المسكينة
كفاني إحباطًا أنا راضٍ بقضائي ومطمئن لحالي وسوف يجعل الله من بعد عسر يسرا
لقد جانبك الصواب يا قريني أنت مغيَّب، أنا لا أحضك على المعصية، الا ترى من حولك لقد تبدلت معيشتهم بفضل دهائهم، وحرصهم على ألا تفضح مساعيهم، والكل يفعل ذلك، وحققوا في شهور ما لن تستطع أن تربوا اليه في سنين، أنظر إلى ابنيتهم الفارهة وسياراتهم الفاخرة وأراضيهم الشاسعة وأرصدتهم الوافرة، يجب أن تأمن على مستقبل أولادك خيرًا ان تتركهم من بعدك عالة يتكففون الناس ويستجدون منهم إحسانا !
خفت حدة الإعتراض ووطأة الإستهجان، فلانت ملامحه بعد تيبس شابته الحيرة، وقال :
أراك لا تفطن لشخصي، أنا لم اتربى على الرشوة أو الإكرامية كما يغلفونها، ولم أتربح من صفقات مشبوهة، اما هم فمحترفون يعلمون من أين تؤكل الكتف، ولم أصادف من يرى في سبيلا لمأربه مما تحنقين فيه علي، وأخشى ان أضبط ... فأنتحب بحسرتي
إذن انت تخاف السجن لا الجرم، نحن إذن متفقون، لذلك عليك ان تكون أكثر حيطة فلا تصير هدفًا لسهامهم، يا سيدي لقد وجدت فيك قوامة عن غيرك لانك تملك ملكات لا يملكونها، ومقومات تمتاز بها عنهم، صدقني حاول لكن بحذر، وتوقيع بسيط على الملف لن يضيرك في شيء، لأنك من تعتمد تصرفاتهم، والتبعات كلفتها عليهم...
ينتفخ صدره، ويرمقها بشمم، فيلوَّح له كبرياؤه بعدم الإنصياع لغزوتها المخادعة :
أمامي أمثلة حية من زملائي الذين فعلوا مثلما تغريني، وخضعوا لسوق النخاسة، وغيبوا ضمائرهم فزهقت أرواح وسلبت حقوق، وحتى لو وفقت على حد زعمك ولم اعاقب أو احاسب، فأين جزاء نظيرتك اللوامة هي لن تكف عن ملاحقتي !؟، فلقد أقسم الله بها مع يومه المحيط، وربما أبتلى بالخزي بأعز ما أنعم الله به علي لفعلتي المشينة.
تعض على نواجذها من فرط الغيظ، وتحاول لملمة شتاتها عقب ذكره لعدوتها اللدودة:
عدت ثانية إلى مباديء عقيمة لا خير فيها غير تعاستك، ستظل فقيرًا محتاجًا ما دمت باقيًا على نهجك المبتسر وفكرك المنحسر، فأنا ارجو سعادتك لإنك وآسفاه في نظري جبانًا يفتقر إلى قوانين اللعبة، ولا تجرؤ على أن تغامر مثلهم، هم الآن أربابًا يعتلون أرفع المناصب ويكنزون الذهب والفضة، وجميع شئونهم موفية، وحاجاتهم مقضية، تفغر لهم الدنيا بما رحبت، اما انت فتضيق عليك بما جادت من خيرات وثروات.
ارح نفسك لن أقبل ما تسنفرني على إتيانه يا خسيس
لأنك أناني تعشق ذاتك، لا ترضى لأهلك العز والثراء، تريد أن يتغنى الناس بأخلاقك وإستقامتك وسيرتك العطرة من بعدك هأهأ، أما أسرتك المسكينة فلا تعبأ بهم، الجوع والعراء مصيرهم المحتوم، بسبب ضمير أخرق بالي عفى عليها الدهر !!!
بل ضمير يقظ يخشى الله ما بقي حيا فهو ربِ ولن يضيعني لإنه حسبي ونعم الوكيل...
إذن لقد إنتهينا إلى طريق مسدود، سحقًا لك أيها المغفل، أرجوك لا تستدعني ثانية !
يختفي القرين بدون مقدمات، فيمضي إلى غايته، ويعود صاحبنا إلى صمته المعهود، ثم يصل إلى منزله، ونظره صوب قدميه، وعقله يردد حكمة مفادها (مابين طرفة عين وإنتباهاتها يغير الله من حالٍ إلى حال).