الأحد 16 يناير 2022 09:12 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الدكتور حمدى الجابرى يكتب : مذكرات التفاهم احلام مفسدة للثقافة والإعلام ..!

الدكتور حمدى الجابرى
الدكتور حمدى الجابرى

هل توافق حضرتك على إعطائى شقتك أو فيلتك أو محصول مزرعتك أو حتى سيارتك بعد أن نتفق على (تعاون) مثمر وتوقيع (مذكرة تفاهم) وستأخذ حقك إن شاء الله؟
إذا فعلت فأنت بالتأكيد طيب حسن النية شهم نبيل وأخ كبير مثالى ..
طيب .. هل إستفدت حضرتك من دروس إتفاقات (تعاون) ومذكرات (تفاهم) سبق أن وقعتها مع أى طرف فى ضوء نتائجها الفعلية بعيدا عن الكلمات الجميلة الرنانة عن التفاهم والتعاون والأخوة أو حتى تحيا المشاعر القومية ؟
إذا لم تفعل فأسمح لى أقول لك .. حضرة البعيد .. فعلا وأكيد .. طيب حسن النية شهم نبيل وأخ كبير مثالى والأكثر من ذلك والأهم .. (ناقصك علام) .. ليس فقط فى مجالك ولكن فى كل النواحى الإنسانية وبالذات تقلبات النفس البشرية وغلبة المصالح الدولية والمحلية والشخصية عليها فى هذه الأيام وبصراحة فى كل الأيام قبلها .. نعم .. حضرتك سمعت أو قرأت صح .. المصالح التى خدعوك بقولهم أنها مشتركة وأنها تتصالح .. مع إن الحقيقة أنها بالحتم والضرورة مختلفة ولايمكن أن تتفق إلا فى تحقيق أكبر مكاسب ممكنة لكل طرف .. أى أنها لا يمكن أن تتصالح إلا فيما يتعلق بما لايتعارض مع تحقيق .. مصالحها .. مشروعة كانت أو غير مشروعة أحيانا ..
إذا إقتنعت حضرتك ووافقت على ما سبق كأرضية (للتفاهم) و(التعاون) من أجل حقوق وواجبات وتبعات ومزايا وخسائر ومكاسب لك ولأسرتك وأهل بلدك.. أكمل القراءة .. وإلا .. لا تضيع وقتك والناس والبلد فى إعادة التأكيد أنك طيب حسن النية شهم نبيل وأخ كبير مثالى فهذا ليس فى حاجة الى تأكيد !
من حقك أن تعرف أن سبب كل ماسبق هو الإعلان المنشور عن توقيع الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية (مصر.. ويمثلها رئيس الشركة الجديد) لمذكرات تفاهم بين المتحدة للخدمات الإعلامية والشركة العربية للإعلانات الخارجية ومجموعة MBC (المملكة.. ويمثلها السيد تركى الشيخ ) .. وبجانب كل التقدير والإحترام والإكبار لكل منهما لابد من الأخذ فى الإعتبار دائما أنهما يمثلان .. دولا مستقلة .. مصر والمملكة ..
وهنا مادمت بالتأكيد قد أخذت فى إعتبارك ذلك حضرتك .. لابد أن تكون قد تذكرت خصائص ومواصفات وشروط الإتفاقيات والمذكرات التى ينبنى عليها (التعــــــــاون) و (التفــــــــــــاهم) بين الدول .. أيا كانت .. عربية أو أجنبية .. شقيقة أو صديقة أو غير ذلك ..
إذا حاولت معرفة ذلك من الإعلان المنشور عن هذا الحدث المهم وإن كان غير فريدا فى نوعه فلن تجد سوى مايلى :
التوقيع تم على (مذكرات تفاهم ) بين الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية والشركة العربية للإعلانات الخارجية، ومجموعة MBC.
المذكرة الأولى بشأن (الاتفاق) بين الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية المصرية وبين الشركة العربية للإعلانات الخارجية (السعودية)، وهدفها المعلن والمنشور هو (تطوير إعلانات الـ"أوت دور").
المذكرة الثانية بين الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية (المصرية) وبين مجموعة MBC (السعودية) لتحقيق مايلى :
1 - محاربة القرصنة الإلكترونية، الذى يحتاج إنجازه المزيد من الموارد الفنية التي يتكاتف (الطرفان) لتوفيرها.
2 - التعاون المشترك بين الشركة المتحدة (المصرية) ومجموعة MBC فى إنتاج الأعمال الدرامية (ذات الإنتاجات الضخمة).
3 – (شراء) مجموعة MBC جزءًا من إنتاجات الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية و(توزيعها خارج مصر) و(عرضها على منصاتها) .

وبالفعل لابد من التأكيد على أهمية كل ماسبق والتعامل معه فقط فى حدود أنه مجرد (مذكرات تفاهم) وليست (إتفاقيات) كما ذكر أحيانا لأن هذا ربما يؤدى الى خلط ضار بين كل منهما (تفاهم- إتفاقية) خصوصا وأنه ليس من المعلوم خطط وأساليب تحقيق ما جاء بها وما لدى كل جانب من إمكانيات وماسيتم تقديمه للطرف الآخر لتحقيق الهدف النبيل المعلن ..
وبالطبع لابد من تأجيل الحكم على التفاصيل الهامة أو على الأقل تأجيل تقدير أهميتها وفائدتها بعد الدراسة الجادة - من المتخصصين أصحاب الخبرة من غير المتوفرين فى نفس الشركة للأسف - الى حين الإعلان عنهم وعنها .. وهو من المحتم أن يحدث حتى لا يصبح الأمر كله كمن يشترى (سمك فى بحر الإعلام) أو (يبيع الميه فى حارة السقايين ) والى أن يحدث ذلك لابد من تذكر ليس فقط تجارب قديمة مماثلة آثارها السلبية والإيجابية قائمة على الطرفين ، أمس واليوم وغدا ، مثل السوابق مع ART والشيخ صالح كامل وروتانا وبدون أى حرج بالتأكيد قد زال بمرور المدة وتأكد النتائج والعائد الفعلى لكل طرف .. مصر والجهة الأخرى الذى تصادف لحسن الحظ أنها قديمة لم يأت فيها بجديد أحدث مدير للشركة المتحدة .. وأنها أيضا جهة ليس لحسن الحظ وإنما لمتانة الروابط وتاريخيتها .. سعودية ..
وحتى يكتمل درس التاريخ لابد من الإعتراف أن الطرف السعودى لم يكن الطرف الوحيد فى هذا الشأن أى مايتعلق بـ (مذكرات التفاهم) كما أن الشركة المتحدة لم تكن السباقة أو الوحيدة فيه أيضا فهناك أطراف أخرى فى مجالات قريبة الشبه يجملها البعض فى (القوى الناعمة) .. أطراف مذكرات التفاهم السابقة هذه المرة هى وزارة الثقافة (مصر) والهيئة العربية للمسرح (الإمارات) والمجال طبعا هو (المسرح).. ونفس الهيئة الإماراتية ووزارة التربية والتعليم (مصر) والمجال طبعا هو (المسرح المدرسى) ..
فى هذه الحالات أثبتت الأيام أن مذكرات التفاهم وحدها لا تكفى بعكس الإتفاقيات الملزمة .. خصوصا عندما تكون بين الدول .. عربية كانت أو أجنبية .. شقيقة كانت أو صديقة .. أو حتى كانت معادية لاسمح الله ..
فى الثقافة والمسرح .. الثابت من مذكرات التفاهم التى تم التوقيع عليها بين الهيئة الإماراتية وبعض الجهات فى مصر وليس بين الإمارات البلد العربى الشقيق مع .. الدولة المصرية ممثلة فى وزارة الثقافة ووزارة الخارجية وإدارتها الثقافية .. وهو ما لم يلفت النظر وسط الترحيب الكبير بــ (التفاهم) لتحقيق أهداف عامة مثل التطوير والنمو والتنمية والتلاقى والتآخى ورغم أنها جميعا تحمل الكثير من العبارات البراقة الرنانة وليس طبعا وفق بنود وخطوات وواجبات وحقوق محددة وواضحة فإن كانت النتيجة للأسف أشبه بمحاولة (تقزيم ثقافة مصر ومسرحها) عندما إنتهى الأمر الى إقامة مهرجان للمسرح فى مصر وإستضافة بعض الفرق المسرحية هنا أو هناك بدأت قبل مذكرات التفاهم بالفرق الشبابية الوليدة غير المعروفة حتى فى مصر التى توحى عروضها للمشاهد المستضيف فى الخارج بتقدم برفعة وسمو قدر منتجه المسرحى على المنتج المصرى ، الى جانب طبعا إستفادة شخصية مضمونة لبعض القيادات الثقافية فى صورة مكافآت عن ورش وندوات ولجان تحكيم فى الداخل والخارج ودعوات لمهرجانات ومؤتمرات وبعض المطبوعات وكلها فى إطار بعيد تماما عن أى إلتزام ناتج عن توقيع إتفاقيات محددة وملزمة وليس مجرد .. مذكرات تفاهم ..
الأغرب هنا هو وصول محاولات التقزيم بل والتجاوز الى أقصى مداه عندما لم يتم مراعاة المواضعات حتى الدبلوماسية العالمية المتعارف عليها عندما تغافل عن ذلك أصحاب المهرجان فى مصر المقام فيها مهرجانهم بل ورغم تشريفهم بإقامته تحت رعاية السيد رئيس الجمهورية !
ولا يقل عن ذلك بحال جريمة سرقة جزء من تاريخ المسرح المصرى التى تصدى لكشفها فى وقتها كثير من النقاد .. والغريب هو أنه رغم إدانة اللجنة الرسمية للمسرح التابعة لوزارة الثقافة لهذه الجريمة فإن وزيرة الثقافة لم تحرك ساكنا إحتجاجا أو إعتراضا أو حتى عتابا للأشقاء سواء فى جريمة السرقة أو عدم اللياقة والخروج على العرف الدبلوماسى !
لهذا كله لم تحقق مذكرات التفاهم السمعة الجيدة المرجوة فهل يمكن أن يأمل الناس فى مصر والمملكة فى تحقيق مالم يتحقق من قبل فى مذكرات التفاهم ؟
أظن أن ذلك ممكنا فقط إذا ما تم تطويرها وقبل أى إلتزام أو تنفيذ بأى شكل ونوع الى ما يسمى بإتفاقيات ملزمة للطرفين وبعضه بالفعل مجحف فى حق مصر وإعلامها حتى فى القليل الذى تم الإعلان عنه وهو ما يمكن الوقوف عنده كما يلى :
بالنسبة لمذكرة التفاهم التى تتعلق بإعلانات (الأوت دور) وما يستحق التطوير فيها، لاشك أن الشركة المتحدة المصرية تعلم الكثير عن مجال الإعلانات خاصة وأنه ضمن قياداتها المشهود لهم عمليا بالكفاءة وتحقيق الأرباح فى مجال الإعلانات .. وربما يكون الأمر كذلك فى مجال محاربة القرصنة الإلكترونية ، بينما الأمر على العكس تماما فى مجال إنتاج الأعمال الدرامية (ذات الإنتاجات الضخمة) ببساطة لأنه ليس بين الأطراف الموقعة من الجانبين أى متخصص صاحب خبرة فى (الإنتاجات الضخمة)، فضلا عن الخلاف المحتمل فى تعريف وماهية الإنتاجات الضخمة أو مايمكن أن يراه كل طرف مستحقا لهذه الصفة (الإنتاجات الضخمة) ، فقد يرى طرف أنها تتمثل فى إنتاج الأعمال التاريخية التى تجسد وقائع أحداث وأبطال بلده بينما يعتقد الطرف الآخر أنها قد تسيىء معالجتها الدرامية الى العلاقة الحالية ومنها أعمال عن غزو محمد على وابراهيم باشا للحجاز تنفيذا لأمر العثمنلى مثلا ، أو أن تكون فى التصدى لوجود البلطجة والتدنى وسلوك أهل الكباريهات بينما لا يملك الطرف الآخر مايقدمه فى حدود معلوماته وثقافته وخبراته . ولذلك أيضا ينقص هذا البند من مذكرة (التفاهم) هذه أساس هام وضرورى وأولى ومبدئى ألا وهو (التفاهم) أصلا حول ماهو جدير بأن يكون له شرف (إنتاجاتهم الضخمة) ..
يبقى الأهم والأكثر خطورة هو ما يتعلق بالجزء الأخير .. أى "(شراء) مجموعة MBC جزءًا من إنتاجات الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية و(توزيعها خارج مصر) و(عرضها على منصاتها)" .
وبالطبع تتحدد الأهمية والخطورة فى هذا البند من مذكرة التفاهم فى (الشراء) الذى سبق تجربته مع الشيخ صالح كامل و(روتانا) و(الإيه آر تى) وليس حق (عرض وإستغلال) لمدة زمنية محددة وما يوجه الى ذلك من لوم وإنتقادات حادة .. أما الخطورة فإنها فى تحكم الطرف الآخر فى التوزيع خارج مصر ولا أظن أن كثير منا وربما من الشركة المتحدة نفسها وخاصة خبراء الدعاية والإعلان فيها قد نسى ذكريات شروط وتحكمات الموزع الخارجى العربى عموما فى المنتج الدرامى المصرى (سينما ومسرح وتليفزيون) منذ فترات ليست بعيدة ، هذا فيما يتعلق بالتوزيع خارج مصر الذى لا يقل خطورة عن عرض إنتاجات المبدع المصرى فى مختلف المجالات على (منصاتها) .. بوضوح وصراحة هذا الحق يامحترم للطرف الأجنبى ربما يؤدى وضع هذه الإنتاجات وأصحابها فى (ثلاجة) الجهة صاحبة المنصات التى كثيرا ما يشكو بعض المتحمسين لها من سيادة الدراما المصرية واللهجة المصرية والثقافة المصرية ولو كان ذلك تحت ستار التذمر من أعمال البلطجة والألفاظ الخارجة فيها !
من ناحية أخرى .. وبمناسبة (التفاهم) ومذكراته .. سبق أن أعلن عن توقيع السيد تامر مرسى والسيد زين التليفزيون على مذكرة تفاهم أخرى تحت نفس الشعارات البراقة والتطوير.. فهل تحقق منها شيىء فى صالح التليفزيون أو أحد قطاعاته ؟
بصراحة ..
لا أظن أن الشركة المتحدة حديثة العهد سواء بقياداتها القديمة أو الحديثة تملك الحق فى بيع إنتاج التليفزيون المصرى السابق لوجودها حتى ولو آل اليها ذلك فى إطار مذكرات تفاهم وقعتها الشركة مع قيادات التليفزيون المصرى الحالية أو قطاعاته المختلفة ، ولا يجب أن يكون لها ذلك التصرف ليس فقط لأنها ليست منتجة أصلية أو صاحبة خبرة فى الإنتاج الدرامى والتوزيع والعرض وإنما آل إليها كل ذلك فى ظروف ولأهداف لا إعتراض على بعضها مادام سيحقق مكانة أفضل لمصر وفنها وثقافتها وكذلك مكسبا وقيمة والحفاظ عليها يتيح الفرصة والقدرة على .. المنافسة للإبداع المصرى والتى سيتم محوها تماما إذا ما استمر الأمر فى إطار مذكرات تفاهم فقط وليس طبعا إتفاقيات محددة وواضحة وملزمة ومعلنة .. وبمشاركة أصحاب المصلحة والخبرة والإختصاص .. ليس وحدهم وإنما بجانبهم قيادات الشركة المتحدة القديمة والجديدة ومن تراهم أصحاب رؤى جديدة وإمكانيات معرفية وعملية حديثة ..
غير ذلك سنظل ندور فى نفس الدائرة التى أدت الى مانحن فيه من حال .. والدليل حضرتك كل نتائج التفاهم بمذكرات أو بدونها ليس فى الإعلام وحده ولكن أيضا فى الثقافة والاقتصاد والتجارة والصحة والسياسة وغيرها .. أو على الأقل حتى لا يصبح عاديا وطبيعيا عندنا .. التقدم الى الخلف ..