الأربعاء 20 أكتوبر 2021 03:26 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الإعلامى والروائى محمد جراح يكتب : من مذكرات مسافر قديم الرحلة إلى محافظة المنيا (الجزء الثاني)

الإعلامى والروائى محمد جراح
الإعلامى والروائى محمد جراح

كنا ما نزال في منطقة تل العمارنة؛ كانت المنطقة بسيطة وفقيرة فتعجبت وأنا أسأل نفسي؛ كيف كانت هذه المنطقة عاصمة لمصر في وقت من الأوقات؛ وكيف قصدها مندوبو دول العالم القديم وهم يحملون رسائل ملوكهم إلى ملوك مصر ويطلبون فيها النجدة والمساعدة؛ لكن الملك كان منصرفاً عنهم بصلاته التي لم تكن لتنتهي حتى تبدأ من جديد!.

قال لنا الدليل: لقد كانت دعوة إخناتون ثورة شاملة في الدين وفي النظم الاجتماعية والسياسية؛ بل وفي الفن المصري بصفة عامة؛ فقد أعطى الملك حرية كاملة للفنان للتعبير عن نفسه؛ وخير مثال على ذلك رأس نفرتيتي الموجود حالياً بمتحف برلين بألمانيا والذي يعد من آيات الفن المصري القديم ، بل وترك ذلك الفنان أيضاً نقوشاً توضح حياة إخناتون مع زوجاته وبناته بكل وضوح وهو مالم يحدث من قبل مع أي من الملوك المصريين القدماء بل ولم يتكرر أيضا؛ً أمام القصر الشمالي للملك إخناتون وقفنا وجالت بخاطري الذكريات فقلت لنفسي وماذا بعد؟؛ لم أنتظر إجابة من نفسي أو من أحد لأنني كنت أرى المليك يداعب بناته؛ بينما زوجته تسترخي إلى جانبه؛ والخدم والحشم يجوبون المكان؛ كانت كل تفاصيل قاعات القصر ما تزال واضحة؛ وتساعدني في تخيل ما أراه في مخيلتي في لحظتي تلك.

#ملوي

في اليوم التالي كان علينا أن نتجه إلى منطقة ملوي جنوب مدينة المنيا حيث المزارات الكثيرة ومنها مثلا منطقة الأشمونين التي كانت مقراً لعبادة الإله تحوت الذي وصف بأنه رب الحكمة والممثل هنا على شكل قرد؛ هكذا كان الحال في معبد الأشمزنين مقر الثامون المقدس حسب نظريات الخلق في الديانو المصرية القديمة والذي كان يناظر تاسوع منطقة هليوبوليس ؛ وقد اتفق كل من الثامون والتاسوع على أن أتوم أو الشمس هي الأساس ومنها جاءت العقيدةونظرية الخلق والماء الذي كان يغمر العالم حتى ظهور التل المقدس أو البن بن؛ وأتوم الذي خلق نفسه من نفسه؛ وخنوم وقصة خلق الإنسان.

وما تزال بملوي والأشمونين الكثير من الآثار منها عدة معابد من عصر الملك الروماني فيليب أرهيدايوس؛ وكنيسة على النظام البازيليكي ؛ وأعمدة تمثل بقايا للسوق اليونانية القديمة؛ وقد استمرت ملوي بصفة عامة؛ والأشمونين بصفة خاصة منطقة مأهولة وعامرة منذ القدم وحتى الآن أما مدافن أهلها فكانت تقع في تونا الجبل.

# تونا الجبل

اتجهنا غرباً بعد أن غادرنا الأشمونين كانت وجهتنا منطقة تونا الجبل وهي منطقة ازدهرت في العصر اليوناني وسميت هوموبوليس الغرب؛ وبها العديد من المنازل والمقابر الجنائزية ولعل اهم مايميز مدرستها الفنية فهو المزاوجة ببراعة بين الفنين المصري واليوناني؛ ومن أشهر مقابرها مقبرة لأحد الحكام العظام وكان يدعى بيتوزيريس ما تزال في حالة رائعة من حيث التصميم الجميل والرسوم والنقوش الواضحة والزاهية، وبجوار مقبرة بيتوزيريس صعدنا لنرى مقبرة أخرى ، كانت درجات الصعود قليلة فإذا بنا أمام بقايا هيكل عظمي قديم ، قال دليلنا السياحي: هذه هي إيزادورا ؛ هذا هو رفات شهيدة العشق والغرام؛ إيزادورا الفتاة اليونانية ابنة حاكم المنطقة والتي أحيت ضابطاً مصرياً فهام بها؛ لكن اباها حال بينها وبين ذلك الحبيب فهربت من حراسها لتعبر إليه النهر لكنهاغرقت في النيل وهي ذاهبة لذلك الحبيب؛ فحزن عليها أبوها وأقام لها هذا المدفن.

# الشيخ عبادة وماريا القبطية

انتقلنا بالسيارة بعد ذلك إلى موقع آخر هو منطقة الشيخ عبادة؛ وهي منطقة أثرية قديمة بها العديد من المعالم الأثرية منها معبد من عصر الملك رمسيس الثاني بالإضافة إلى آثار أخرى تعود إلى الفترة التي حكم فيها الرومان مصر.

لم أكن أعلم أن بلدة الشيخ عبادة هي البلدة التي أنجبت ماريا القبطية زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأم ابنه ابراهيم، وقد استمرت هذه المنطقة مزدهرة واتخذت اسمها من اسم الشيخ عبادة بن الذي أقام فيها وشيد على أرضها مسجدا.ً

وشرقاً من النيل انتقلنا إلى دير البرشا التي تقع في مواجهة ملوي على الضفة الغربية وهي منطقة تضم العديد من مقابر الأمراء في عصر الدولة الوسطى من أهمها مقبرة جحوتي حوتب وشمالاَ من دير البرشا بكيلو متر واحد ونصف انتقلنا إلى دير أبي حنس الذي يضم الكثير من الآثار المسيحية من أهمها كنيسة تجمع بين الفنين البيزنطي والبازيليكي وتعود إلى القرن الخامس الميلادي؛ ثم عدنا إلى المدينة نستكمل الجولة بين آثارها المتعددة في طهنا الجبل وزاوية سلطان وبقايا هرم من عصر الأسرة الثالثة ومقابر تتعدد الفترات التي تنتمي إليها بامتداد التاريخ المصري القديم.

#سمالوط

كانت الرحلة تقترب من نهايتها فاتجهنا إلى الشمال من مدينة المنيا وقطعنا حوالي 25كم؛ وكانت وجهتنا منطقة سمالوط التي تزخر هي الأخرى بالعديد من الآثار من مختلف العصور التاريخية؛ فمن آثارها المسيحية الشهيرة كنيسة جبل الطير الذي يقال إن أقدم حوض معمودية في مصر هو الحوض الموجود بتلك الكنيسة؛ وكذلك دير السيدة العذراء؛ ويقول التاريخ إن العائلة المقدسة المكونة من السيدة العذراء مريم البتول والسيد المسيح عليهما السلام ومعهما يوسف النجار مرت بهذا المكان أثناء رحلة هروبها إلى مصر وقضت هنا ثلاثة أيام، وهناك من يذكر أنه قد بنيت هذه الكنيسة في اليوم نفسه الذي بنيت فيه كنيسة بيت لحم في الفترة التي تلي عيد القيامة المجيد.
وبمنطقة البهنسا العديد من الأضرحة لعدد من الصحابة الذين استشهدوا في تلك المنطقة أثناء فتح مصر؛ كما يجاور تلك الأضرحة مقام يسمى مقام السبع بنات ويقال إنه لفتاة استشهدت وكانت تساعد الجبش وتسقيه ما؛ وهناك الكثير من القصص والحكايات بعضها موثق وبعضها لا يتعدى كونه من الحكي الجميل الذي بشبه الأساطير ومنه على سبيل المثال ما يتعلق بمنطقة تسمى المراغة يقصدها حالياً العقماء ويرقدون على الرمال؛ فإن كان هناك فرج وبشرى بالذرية والإنجاب تدحرج الراقد على الرمل كما لو كان جسده هابطاً من مكان عال؛ وإذا لم يتحرك الجسد كان ذلك إشارة إلى بقائه على حاله أي أنه سيظل أو تظل عقيماً؛ والموضوع كله اختراع شعبي وامل يعتقد فيه كل من حرم من نعمة الإنجاب.
والمنيا كمحافظة تضم االيوم تسعة مراكز إدارية إلا أن مساحة هذه المحافظة أو ذلك الإقليم كان مقسماً إلى ثلاث مقاطعات قديمة فقط هي المقاطعات أرقام 15؛ 16؛ 17؛ والمقاطعة 15 عليها حالياً منطقة الشمونين وتونا الجبل بمركز ملوي؛ والمقاطعة 16 ويمثلها حاليا بني حسن والمنيا وزاوية الأموات؛ والمقاطعة 17 ويمثلها مناطق الشيخ فضل والبهنسا ومركز بني مزار

#محمد جراح كاتب روائي وباحث تاريخي وإعلامي مصري

عضو اتحاد الكتاب