الإثنين 4 مارس 2024 09:26 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

خالد درة يكتب : بالعقل اقول… (المصرى … مصرى ! )

الكاتب الكبير خالد درة
الكاتب الكبير خالد درة

اخلاق الشباب المصري كما جاء في كتاب وصف مصر علي لسان علماء الحملة الفرنسية ..

إذا كان أهل المشرق قد أهملوا تعلم العلوم و الآداب فقد إستطاعوا علي الأقل الاحتفاظ بالعادات و الأخلاق الكريمة ؛ فهل ثمة عند أمم الشرق ما يستوجب المديح أكثر من ذلك الاحترام العميق الذي يكنونه نحو كبار السن ..

ويتميز المصري علي وجه الخصوص بهذا الشعور النبيل ؛ إن الشيخوخة في بلدان أوروبا لا تلقي من الأحترام نفس ما تلقاه في مصر بل إنها تكاد تكون في معظم الأحيان نقيصة حيث ينبغي علي الملتحي ذي الشعيرات البيضاء أن يصمت أمام غرور الشباب و مباهاته وأن يلعب دور طفل حتي يمكن تحمله في نطاق عائلته فما أن يحس الأنسان عندنا أن سنوات العمر قد جرت إلا وتضائلت معها مباهج الحياة و صار عبئا ثقيلا علي كاهل الأبناء و الأحفاد ..

وعندما يصبح في حاجة الي المواساة و السلوي يري نفسه وقد أنكر عليه حق الرعاية و أغلقت دونه القلوب عندئذ تزحف الي جسده برودة قاتله و ترتجف من برودة الوحده روحه في مثل تلك الأمم يموت العجوز قبل وقت طويل من نزوله الي ظلمات القبر ..

فلنخلع النقاب عن حضاراتنا الزائفة ؛ لحسن الحظ أن هذا ليس وضعا عاما في كل الدنيا فتلك المشاهد المؤثرة كنت أراها كل يوم في مصر فهنا في القاهرة يبتسم العجوز الذي تلامس لحيته صدره و هو يلقي الإحترام من أبناؤه و أحفاده ينشرح صدره و هو يري أربعة أجيال تهرع نحوه ليقدموا إليه ما تفرضه عليهم عاطفة التبجيل الحنون فيتذوق بذلك بهجة الحياة حتي آخر لحظة من لحظات حياته ..

في واقع الأمر فإن الأوروبيين لن يكونوا راضين عن أنفسهم أبدا إذا ما عقدوا تلك المقارنة بينهم و بين شعب مصر عندما يرون هذا الإحترام الذي يكاد يبلغ منزلة التقديس لكبار السن فهؤلاء الناس الذين كنا نطلق عليهم أحط الألفاظ و أقذرها رأيناهم يقدمون لنا في هذا الخصوص مثالا جديرا بالإحتذاء ..

هنا في مصر ليسوا مثلنا ؛ فلا يلجأ كبار السن لتلك الحيل التي لا جدوي منها لتفادي ما تخبئه لهم الأيام من إهانات تشعرهم كم أصبحوا عبئا ثقيلا علي كاهل الأبناء ..

بل علي العكس فكبار السن هنا يتباهون بخطوط السن التي تغصن جباههم وملابسهم تتسق مع كرامة ووقار عمرهم وكل شئ فيهم يفصح عن الكرامة و المهابة ؛ فإذا تكلموا أنصت الجميع لما يقولون ولا يستشعرون أبدا بتلك المرارة التي تقطر بها عادة سنوات العجز و الشيخوخة ؛ إنهم يتركون الحياة بلا ألم فبقدر ما يقتربون من تلك النهاية المحتومة بقدر ما تتضاعف محبة وعناية ذويهم فلا يعانون من ألم رؤية أبناء عاقين يتشوقون لساعاتهم الأخيرة حتي يقتسمون تركاتهم ..

فمثل هذا الإنسان القذر لا تعرفه أمم الشرق هنا مهما كان الأولاد فاسدين فإنهم يذرفون سيلا من الدمع علي مقبرة أبيهم بل إنهم ليقبلون عن طيب خاطر أية تضحيات مهما عظمت ولو كان في ذلك ما يمد أياما في عمر آبائهم ..

ولهذا السبب فإن جريمة قتل الوالدين ؛ تلك الجريمة البشعة التي يثير مجرد اسمها الهلع في القلوب لم يقرر بشأنها المشرعون أي جزاء كما لو كان من المستحيل عليهم أن يتخيلوا أن كائنات وهبها الله نعمتي القلب و العقل يمكن أن تقدم علي إرتكاب هذة الجريمة البشعة التي لم تعرفها مصر علي الإطلاق طوال مدة بقائنا هنا "
إنها مصر .. و إنه المصرى .