سماح عزام تكتب : حَدِيثٌ عَنِ الأَبْنَاءِ وَنُكْرَانِ الجَمِيلِ
(الفَصْلُ الأَوَّلُ: نَبْعُ الحَنَانِ وَقُرَّةُ العَيْنِ)
وَالحَقُّ أَنَّ الأَبْنَاءَ، وَمَا الأَبْنَاءُ إِلاَّ نَبْعٌ مِنَ الحَنَانِ يَتَدَفَّقُ، وَنُورٌ مِنَ الأَمَلِ يَتَلأْلأُ، لَعَلَّهُمْ قُرَّةُ العَيْنِ، بَلْ لَعَلَّهُمْ مُهْجَةُ الفُؤَادِ. هُمْ، بِمَا مَنَحَهُمُ اللهُ مِنْ بَرَاءَةٍ وَطُهْرٍ، أَبْهَى مَا يَزْهُو بِهِ الإِنْسَانُ فِي حَيَاتِهِ الدُّنْيَا، وَأَغْلَى مَا يَمْلِكُ مِنْ حُبٍّ خَالِصٍ، وَاهْتِمَامٍ لاَ يَنْقَطِعُ. هُمْ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تَقُولَ، أَمَلُ الحَاضِرِ وَرَجَاءُ المُسْتَقْبَلِ، يَبْنِي عَلَيْهِمُ الوَالِدَانِ قُصُورًا مِنَ الأَمَانِي، وَيُشَيِّدَانِ آَمَالاً تَتَجَاوَزُ حُدُودَ الزَّمَانِ وَالمَكَانِ. بَيْدَ أَنَّ هَذَا النَّبْعَ الفَيَّاضَ مِنَ الحَنَانِ، هَذَا الأَمَلَ المُشْرِقَ فِي نُفُوسِ الآَبَاءِ، قَدْ يَعْتَرِيهِ مَا يَعْتَرِي سَائِرَ الأُمُورِ البَشَرِيَّةِ مِنَ النَّقْصِ، وَيُصِيبُهُ مَا يُصِيبُ طَبَائِعَ النَّفْسِ الإِنْسَانِيَّةِ مِنَ الأَهْوَاءِ. قَدْ نَرَى نَاشِئًا، فِي رَيْعَانِ صِبَاهُ أَوْ عُنْفُوَانِ شَبَابِهِ، لاَ يُبْدِي مِنَ الشُّكْرِ إِلاَّ قَلِيلاً، وَلاَ يُظْهِرُ مِنَ التَّقْدِيرِ إِلاَّ يَسِيرًا، بَلْ لَعَلَّهُ يَنْظُرُ إِلَى عَظِيمِ مَا يُبْذَلُ لَهُ مِنَ العَطَاءِ دُونَ حُدُودٍ، فَيَرَاهُ أَمْرًا طَبِيعِيًّا، حَقًّا مُكْتَسَبًا لَهُ، لاَ يَسْتَوْجِبُ حَمْدًا وَلاَ يَقْتَضِي شُكْرًا.
(الفَصْلُ الثَّانِي: جِنَايَةُ العَادَةِ وَقِلَّةُ الإِدْرَاكِ)
وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نَنْفُذَ إِلَى عُمْقِ هَذِهِ الظَّاهِرَةِ، وَنَسْتَجْلِيَ أَسْبَابَهَا فِي نُفُوسِ النَّاشِئَةِ، وَجَبَ عَلَيْنَا أَنْ نَعْتَرِفَ، بِدَايَةً، بِأَنَّ نُكْرَانَ الجَمِيلِ قَدْ لَا يَكُونُ تَجَاهُلاً مَقْصُودًا، بَلْ هُوَ طَبِيعَةٌ فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ، خَاصَّةً تِلْكَ الَّتِي لَمْ تَبْلُغْ بَعْدُ مَبْلَغَ النُّضْجِ وَالإِدْرَاكِ. فَالطِّفْلُ فِي عُمُرِهِ المُبَكِّرِ، لاَ يَمْلِكُ مَعْرِفَةً بِقِيمَةِ مَا يُقَدَّمُ لَهُ مِنَ الحَنَانِ، وَالرِّعَايَةِ، وَالتَّعْلِيمِ، وَالحِمَايَةِ. هُوَ يَرَى العَالَمَ بِعُيُونٍ صَغِيرَةٍ، يَحْسَبُ أَنَّ مَا يَحِيطُ بِهِ مِنْ عِنَايَةٍ أمرٌ فُرِغَ مِنْهُ، لاَ فَضْلَ فِيهِ، وَلاَ تَعَبَ يَسْتَحِقُّ الثَّنَاءَ.
ثُمَّ لَا نَنْسَى، بَعْدَ ذَلِكَ، جِنَايَةَ التَّعَوُّدِ المُسْتَمِرِّ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا جِنَايَةُ التَّعَوُّدِ! فَالنَّفْسُ الإِنْسَانِيَّةُ، إِذَا اعتَادَتْ عَلَى شَيْءٍ، تَنَاسَتْ قِيمَتَهُ، وَنَظَرَتْ إِلَيْهِ كَأَمْرٍ مُسَلَّمٍ بِهِ. هَذِهِ العِنَايَةُ المُتَوَاصِلَةُ، هَذَا الاِهْتِمَامُ الدَّائِمُ، يَصِيرَانِ، مَعَ مُرُورِ الزَّمَنِ، جُزْءًا مِنَ الحَيَاةِ اليَوْمِيَّةِ، لاَ يَسْتَدْعِيَانِ التَّفَكُّرَ، فَيَغِيبُ الشُّكْرُ، وَيَحُلُّ مَحَلَّهُ النُّكْرَانُ، لاَ لِشَيْءٍ، إِلاَّ لأَنَّ النَّفْسَ اعتَادَتْ أَنْ تَأْخُذَ دُونَ أَنْ تُعْطِيَ. هَذَا مَا يَجِبُ أَنْ يَفْهَمَهُ الأَهْلُ، بِعَقْلانِيَّةٍ وَبَصِيرَةٍ، نَافِذَيْنِ إِلَى جَوْهَرِ الأُمُورِ.
(الفَصْلُ الثَّالِثُ: تَأْثِيرُ البِيئَةِ وَتَحَدِّياتُ المُجْتَمَعِ)
وَأَيْضًا، لَا مِرْيَةَ فِي أَنَّ المُجْتَمَعَ، وَأَحْيَانًا الأَقْرَانَ، يَلْعَبُونَ دَوْرًا لاَ يُسْتَهَانُ بِهِ فِي هَذَا السِّياقِ. فَمُقَارَنَةُ الطِّفْلِ نَفْسَهُ بِمَا يَمْلِكُهُ الآَخَرُونَ، أَوْ بِمَا يَرَاهُ فِي البِيئَةِ المُحِيطَةِ، قَدْ تَجْعَلُهُ يُقَلِّلُ مِنْ قِيمَةِ مَا يُقَدِّمُهُ لَهُ وَالِدَاهُ. يَنْظُرُ إِلَى الأُمُورِ كَأَمْرٍ مُسَلَّمٍ بِهِ، فَيَغِيبُ التَّقْدِيرُ لِمَا يَمْلِكُ، وَيَحُلُّ مَحَلَّهُ الطَّمَعُ لِمَا يَمْلِكُهُ الآَخَرُونَ. هَذَا يَتَطَلَّبُ مِنَ الأَهْلِ حِكْمَةً فَائِقَةً وَذَكَاءً تَرْبَوِيًّا، لِكَيْ يَزْرَعُوا فِي نُفُوسِ أَبْنَائِهِمْ قِيمَةَ الاِعْتِرَافِ بِالفَضْلِ.
(الفَصْلُ الرَّابِعُ: سَبِيلُ الخَلاصِ.. الصَّبْرُ وَالقُدْوَةُ وَالحِوارُ)
وَلِمُوَاجَهَةِ هَذِهِ المُشْكِلَةِ، هَذَا التَّحَدِّي الكَبِيرِ، عَلَى الوَالِدَيْنِ أَنْ يَتَحَلَّيَا بِالصَّبْرِ، تِلْكَ الفَضِيلَةِ النَّبِيلَةِ الَّتِي لَا غِنَى عَنْهَا فِي مَيْدَانِ التَّرْبِيَةِ. فَلاَ غَضَبَ عَنِيفَ يَنْفَعُ، وَلاَ لَوْمَ جَارِحَ يُفِيدُ. الغَضَبُ قَدْ يُوَلِّدُ شُعُورًا بِالخَوْفِ أَوْ التَّمَرُّدِ بَدَلَ التَّقْدِيرِ، وَاللَّوْمُ قَدْ يُسَبِّبُ عُقَدًا نَفْسِيَّةً لَا تُحْمَدُ عُقْبَاهَا. الصَّبْرُ هُوَ الَّذِي يَرْبِطُ القُلُوبَ، وَيَزْرَعُ قِيمَةَ الامْتِنَانِ فِي نُفُوسِ الأَبْنَاءِ بِعُمْقٍ وَرِفْقٍ.
وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الوَالِدَانِ قُدْوَةً حَقِيقِيَّةً، لاَ تَقْتَصِرُ عَلَى القَوْلِ دُونَ الفِعْلِ. فالأَبْنَاءُ لاَ يَتَعَلَّمُونَ مِنْ خُطَبِ الكِبَارِ وَنَصَائِحِهِمْ، بقدرِ مَا يَتَعَلَّمُونَ مِنْ تَصَرُّفَاتِهِمْ وَسُلُوكِهِمْ. حِينَ يَرَوْنَ فِي شُكْرِ الوَالِدَيْنِ لِلطَّبِيبِ الَّذِي عَالَجَ، أَوِ الْمُعَلِّمِ الَّذِي عَلَّمَ، نَمُوذَجًا يُحْتَذَى بِهِ، تَتَرَسَّخُ فِي نُفُوسِهم قِيمَةُ الاِعْتِرَافِ بِالفَضْلِ مُنْذُ الصِّغَرِ.
وَمِنَ المُهِمِّ أَنْ يُرَبَّى الأَبْنَاءُ بِالْقِصَّةِ وَالْمِثَالِ، فَالقُرْآَنُ الكَرِيمُ هُوَ كِتَابُ حِكْمَةٍ وَأُسْلُوبُ تَرْبِيَةٍ لاَ يُضَاهَى، نَجِدُ فِيهِ مِنَ القِصَصِ العَظِيمَةِ دُرُوسًا فِيهِ شُكْرِ المَعْرُوفِ. تِلكَ القِصَصُ تَجْعَلُ الطِّفْلَ يَفْهَمُ الامْتِنَانَ فِي سِيَاقٍ حَيٍّ، وَيَسْتَوْعِبُ أَنَّ كُلَّ عَطِيَّةٍ لَهَا قِيمَةٌ، وَأَنَّ الشُّكْرَ هُوَ أَدَبُ الرُّوحِ وَسُمُوُّ الأَخْلاَقِ.
أَمَّا الحِوارُ، فَلَعَلَّهُ، وَمَا أَدْرَاكَ مَا الحِوارُ، أَنْجَعُ السُّبُلِ لِلْوُصُولِ إِلَى عُمْقِ النَّفْسِ النَّاشِئَةِ. لِيَكُنْ حِوارًا لَطِيفًا، هَادِئًا، صَرِيحًا، يُعَبِّرُ فِيهِ الأَهْلُ عَنْ مَشَاعِرِهِمْ دُونَ لَوْمٍ جَارِحٍ. يَقُولُونَ مَثَلاً: "يَا بُنَيَّ، أَنَا أُحِبُّ أَنْ أُقَدِّمَ لَكَ كُلَّ شَيْءٍ، وَلَكِنَّنِي شَعَرْتُ بِبَعْضِ الحُزْنِ حِينَ لَمْ أَسْمَعْ مِنْكَ كَلِمَةَ شُكْرٍ لِمَا فَعَلْتُهُ مِنْ أَجْلِكَ". الصَّرَاحَةُ الرَّقِيقَةُ، الكَلِمَاتُ الطَّيِّبَةُ، تَجْعَلُ الطِّفْلَ يَعِي قِيمَةَ مَا يُقَدِّمُهُ الآَخَرُونَ دُونَ أَنْ يَشْعُرَ بِالذَّنْبِ، فَتَتَرَسَّخُ فِي نَفْسِهِ قِيمَةُ الشُّكْرِ بِطَرِيقَةٍ طَبِيعِيَّةٍ وَعَمِيقَةٍ.
(الفَصْلُ الخَامِسُ: لَعَلَّهُ خَيْرٌ.. العَطَاءُ بَدِيلاً عَنِ الشُّكْرِ)
إِنَّ نُكْرَانَ الجَمِيلِ لَيْسَ دَائِمًا تَجَاهُلاً مَقْصُودًا، بَلْ قَدْ يَكُونُ فُرْصَةً لِلتَّرْبِيَةِ، لِتَعْلِيمِ النَّاشِئِ قِيمَةَ الامْتِنَانِ، وَالصَّبْرِ، وَالوَعْيِ. مِنْ خِلاَلِ الهُدُوءِ وَالحِكْمَةِ، وَالاِسْتِمْرَارِ فِي العَطَاءِ، يُمْكِنُ لِلأَهْلِ أَنْ يَمْنَحُوا أَبْنَائَهُمْ حُبًّا، وَعِنَايَةً، لَا تَقْتَصِرُ عَلَى الشُّكْرِ، بَلْ تَتَجَاوَزُهُ لِتَصِيرَ قِيمَةً تَقُودُ حَيَاتَهُمْ كُلَّهَا. وَفِي النِّهَايَةِ، يَجِبُ أَنْ يَعْلَمَ الآَبَاءُ أَنَّ العَطَاءَ لَيْسَ صِفَةً تُمارَسُ، بَلْ هُوَ رِسَالَةٌ تَرْبَوِيَّةٌ تَدْفَعُ النَّاشِئَ لأَنْ يَكُونَ إِنْسَانًا يَعْرِفُ قِيمَةَ المَعْرُوفِ، يَقْدِرُ الجَمِيلَ، وَيَزْرَعُ الخَيْرَ فِي قَلْبِهِ قَبْلَ أَنْ يَزْرَعَهُ فِي حَيَاةِ الآَخَرِينَ. فَتَتَوَاصَلُ دَوْرَةُ الحُبِّ وَالامتِنَانِ بَيْنَ الأَجْيَالِ، لَيْسَ فَقَطْ لِلأَهْلِ، بَلْ لِكُلِّ مَنْ حَوْلَهُمْ. وَهَذِهِ هِيَ النِّهَايَةُ المُثْلَى لِكُلِّ جُهْدٍ، لِكُلِّ صَبْرٍ، لِكُلِّ عَطَاءٍ بَذَلَهُ الوالدان بِحُبٍّ وَإِخْلاَصٍ.












لـ27 أكتوبر.. تأجيل نظر دعوى زينة ضد أحمد عز بشأن متجمد أجر...
شاب يقتل مسنة ويشعل النار في مسكنها ويقفز من الشقة بمصر القديمة
مصرع سيدة سقطت من أعلى عقار سكنى في التجمع
اليوم..أولى جلسات استئناف حكم إعدام متهم بخطف فتاة من ذوي الإعاقة
أسعار الذهب اليوم الجمعة 18 سبتمبر 2026.. وعيار 21 بـ6340 جنيهًا
سعر الذهب اليوم في مصر الاثنين 14 سبتمبر 2026.. عيار 21 يسجل...
سعر الدولار اليوم الاثنين 14 سبتمبر 2026 فى مصر
أسعار العملات الأجنبية اليوم الجمعة فى مواجهة الجنيه المصري