الثلاثاء 5 مارس 2024 12:17 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الكاتب الصحفي إسماعيل أبو الهيثم يكتب : أعترف بالهزيمة ، فلا طلت بلح القرية ولا عنب المدينة !!

 الكاتب الصحفي إسماعيل أبو الهيثم
الكاتب الصحفي إسماعيل أبو الهيثم

من بين ما كنت أفتخر به في جلساتي في الفضاء الرياضي ، أثناء حديثي مع لاعبي كرة القدم الدوليين ، أني أعيش في قرية ، وأعدد لهم مزايا العيش في القري ، وأركز علي أخلاق القرويين والأصول الحاكمة والضابطة لتصرفاتهم .

وحينما يضيق صدر أحد السامعين بحديثي ، فيلفت نظري إلي أهمية المدينة وتوفر الخدمات فيها ، ومع ذلك كنت أجنح إلي ترجيح كفة القرية عندي لما كنت أري فيها من مميزات اجتماعية قلما تتوفر في المدينة ، من أمثال الحميمية الإجتماعية التي تربط الأسر ببعضها ، فضلا علي الأسمنت الإنساني الذي يربط كل أفراد الريف ببعضهم البعض ، حتي بينهم وبين سائر الحيوانات والطيور والأشجار .

وبعد فترة لا تزيد علي ربع قرن من تلك المبارزة الإجتماعية ، أسلم وأعترفت بهزيمتي في تصوري السابق بضرورة العيش في القرية مفضلا إيها علي المدينة ، والتي كان في مقدوري العيش فيها بسهولة ويسر .

وذلك بعد أن تحولت القرية إلي حي ( شعبي ) من أحياء المدينة ، فالأسر تعيش حالة عزلة تامة . فلم تعد الزيارات والمسامرات موجودة ، واختفت الأخلاق الريفية تماماً ، فحل محلها الأخلاق الفيسبوكية بمفرداتها الخادشة ومنطوقها المايع !!

الشباب يمشي في الشوارع بشورت قصير ، أصواتها مرتفعة تصل أن تكون زاعقة ناعقة ، لايعرفون الدور ولا أصحابها ، بعد كنا نعرف الرضع والرتع !!؟

كانت الأسر فيما مضي من سالف الأيام تقوم بصيانة الأخلاق وحراستها وتنميتها؛ وكانت درجات سلم التفاضل بين العائلات هي المبادئ السامية ، والأخلاق العظيمة، والسجايا الكريمة ؛ فكانت العائلات تستحي أن يكون بين أفرادها من يطيل شعره أو يعلو صوته أو يدخن السجائر .

لا جرم أن يكون هذا هو السمت الغالب الآن من الجميع بموافقة كبراء الأسر وقادتها .
حقا فإن ما يثير القلق العميق، اليوم، على حاضر ومستقيل مجتمعنا الريفي ، حالة التردي القيمي، غير المسبوقة، التي تجتاحه من أقطاره ، جالبة أعاصير وعواصف التصحر الأخلاقي؛ مثيرة مخاوف رعاة منظومة المبادئ والقيم المرعية شرعا وطبعا ، ومنذرة بنهاية حلم جميل، راود المربين الأوائل، ومن واكبهم واتبع سبيلهم من الأجيال؛ حلم تنشئة الأولاد والشباب علي منظومة قيمية لا تجرفهم إلي مستنقع التقليد الأعمى ، والخروج علي المورثات التي كانت تميز المجتمع الريفي عن غيره من المجتمعات .

مما يعزز ذلك القلق كم التصرفات والممارسات الموجودة في الشارع الريفي ، حلقات شعر ولا أغرب ، شباب بضفاير ، تسكع مريب ومخيف ، هرج ومرج يغلفان كافة التصرفات ، إلا ما ندر !؟

يؤسفني أن أعترف بأن المجتمع الريفي أصبح غير منسجم مع تضاريسه - سواء الجغرافية أو السلوكية _ ناقم علي الأوضاع ، الشباب يجبروا الآباء علي بيع الأرض لشراء توكتوك يوفر مأتي جنيه يوميا ينفقوا علي أمور مضرة بالصحة والمجتمع ، أو يفتتح كافيه _ التصريف العربي للقهوة _ فلا جرم أن تتحول الحياة الريفية إلى ميدان سباق وبهرج وزيف ومناطحة مالية بغيضة ضاعت أمامها القيم والسلوكيات التي كنا نتغني بهما بالأمس.

بتلك الارتكاسات السلوكية ، بات هذا المجتمع _ ساكن الريف _ عصيا ، حد اليأس، على أي اندماج قيمي ، فقد تعلم من عشوائيته معايشة كل الأوضاع، وتهجين كل طارئ جديد ، وإعادة صياغته في بوتقة الغيبوبه التصورية، فاكتسب مناعة ضد المورثات الأخلاقية التي كانت تحكم حياة آبائنا وأجدادنا !!

لقد تحمل الآباء والأجداد ( رحمهم الله ) العديد من الصعاب والتحديات من أجل توفير مايضمن لأولادهم عيشة كريمة من بعدهم ، حتي ألفوا التعب والشقا في حلهم وترحالهم من أجل تهيئة الأجواء أمام الأجيال القادمة لمواجهة الحياة ، وبقدر إلفهم هذا ، ألف الأبناء والأحفاد سيل الاستلاب الخلقي المتدفق والمتجدد ، فالتبست في وعيهم المغشوش ، ومسلكياتهم العشوائية ، مفاهيم الرجولة والعيب والحرام !؟
ومما يعطي لتلك الحالة المنفلتة من كل قيد ، بعدها ومداها ، أن ثقافة ساكني الريف الحالية ، تخاصم تلك الثقافة التي كان عليها جيل الآباء والأجداد تماما . بل يتعدي الأمر أنهم وصفو تلك الثقافة الفائتة بأنها سبب من أسباب التأخر ، لأنها ركزت بالدرجة الأولى علي الأخلاق ولم تركز علي السباق المادي الحاكم الحالي .
لدرجة أن أحدهم جادلني في حوار شهده البعض ، بأن دائرة ثقافة الآباء كنت ضيقة للغاية ، لأنها ركزت علي أمور محددة من لوازم الدين والمروءة ، والكف عن أمور محددة من المحظورات شرعا ، أو المنافيات لعادات ترجع لتفاصيل حياة المجتمعات المنقرضة للأجداد الأقدمين؛ ومن ثم عانينا الأمرين في حياتنا ، لاسيما أن عوزنا الحالي غير مرتبط في الغالب بما لا عهد للآباء به من المفردات والمركبات المادية والمعنوية ، والسياسية والإدارية والحقوقية والتجارية والصناعية والمالية والاجتماعية والخدمية بكل أبعادها المستحدثة ، وقس ما لم نقل على ما قلنا !!؟
فلا تلومونا علي التفريط في الإرث الاجتماعي الأخلاقي ، في ظل واقع استباح كل عرف أو قانون أو دين، وأقام قواعد حياته على الفوضى والاستهتار بكل نظام، أرضي أو سماوي؛ وكانت حصيلة تلك الخلطة ، حالة أخلاقية كريهة، تقدم الدليل القاطع ، لمن هو بحاجة إليه ، على خيبة "السياسات" التربوية عموما ، وخاصة تلك المتعلقة منها بأبعاد السلوك العام .

فلقد فشلت تلك السياسات، فشلا ذريعا في الوصول إلى غاياتها وأهدافها المرسومة؛ هذا إن صح أن لسياساتنا التربوية غايات مرسومة ، أصلا !!؟

وهكذا صنع منا العيش الحالي في القرية التلاقي على غير موعد، بين ماضينا القروي الذي كنا نعشقه ، حيث الجلوس مع الكبار ، واكتساب خبرات ومعارف لا توجد في الكتب ، اكسبت الجميع منا قدرة علي المضي قدما مع متطلبات الحياة ، فكان الشاب أو حتي الطفل إذا تزوج أدار بيته بمهارة فائقة ، نتج عنها تدني أرقام الطلاق إلي أقل معدلاتها بين شعوب العالم ، وبين حاضرنا القروي الحالي ، الذي يضم أجناس ما ألفناها في زماننا الفائت ، حيث أنتج فينا خليطا غير متجانس من المسلكيات الهجينة والتي أفقدت الجنس القروي ، هيبته التي كانت تميزه ، ولقد جعلنا ذلك كله نفتقد الكثير من مزايا المواطن الصالح، والقرية الفاضلة ، والكثير من قيم الرجولة.
وبعد ، فلابد من الإعتراف أنني أخطأت في تقديري للعيش في القرية مفضلا العيش فيها عن المدينة ، فاضل الطرف عن الكثير من المنغصات الاجتماعية التي تحكم العيش في القري ، بالقياس بحجم وعمق وكنه التمتع بأجواء الرجولة الغالبة علي تصرفات حتي النساء في القري ، أما وأن الحال قد تغير وتبدل ، وتلاشت المميزات تماما ، واختفت الحميميات ، ولم تبق إلا المنغصات ، وأصبح لسان حالنا : أننا لا طلنا بلح القرية ، ولاعنب المدينة !!؟