الأحد 21 أبريل 2024 01:43 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

فنون وثقافة

الأديبة مى علام تكتب : اللامبالاة

الأديبة مى علام
الأديبة مى علام

اللامبالاة، هي كلمة تعني الكثير، وتكون ضرورية في بعض الأوقات والمواقف، وأوقات أخري تصبح كريهة، هل اللامبالاة صناعة؟ نفوذ؟ شعور، هل بالفعل لا يوجد ما تكترث لأجله؟ أم من كثرة ضغوط الحياة أصبحنا جميعًا لا نبالي.
كثرة الظلم والفساد والقتل، هل أصبح الصوت الذي بداخلنا يهتف بعدم إلاكتراث، ما الجديد ؟ من الأفضل أن أهتم بشؤوني فقط، هذا حال معظم البشر في عصرنا الحالي والذي يتلخص في "التدريب علي فن صناعة اللامبالاة"، أو بمعني أدق "أنا ومن بعدي الطوفان"، ليذهب الجميع للجحيم وليحدث ما يحدث حتي لو تدخلت لن تفلح الأمور، هذا قضاء وقدر مالي أنا. انا لا أبالي .
إسمي هود، من ثلاثة أحرف فقط، ولست طبعًا كـ"روبين هود" أدافع عن المظاليم، أنا فقط لا أبالي، حتي حكايات أمي عني تقول أني حين ولدت لم أبكي كسائر الأطفال ، لم أطلب الرضاعة، وعندما كبرت قليلًا وصرت ألعب مع الأطفال عندما كانوا يقومون بضربي لا أنزعج أو أركض باكيًا شاكيًا لوالدي، كنت أتلقي ضرباتهم الموجعة في صمت ولم أنبس ببنه شفة لكي ألوم أحد، وعندما كنت في المدرسة كان المعلم يضرب بعض الأطفال لإهمالهم الدراسة وبالطبع كنت منهم ويظلوا يبكون أما أنا فلا.
ومرت الأعوام وصرت شابًا ولا أنفك أمتلأ بعدم الإكتراث، حتي عندما تقدم شاب لخطبة شقيقتي وسألوني عن رأي ؟ فقط هززت كتفي بلامبالاة مرددًا: لا أعلم هي تعرف أكثر مني.
وحينما توفي أبي الجمع كان يبكي علي فراقه، وأنا أري أن هذه سنة الحياة، نعم سنفارقه لسنوات ولكن في النهاية سيجمعنا لقاء قريب، فلماذا الحزن؟ والاكتراث.
جارتنا قد صبت الكيروسين وأحترقت لعدم زواجها مما تحبه، الجميع بكي إلا أنا لم أكترث، أخي سيسافر لأحد الدول العربية وأمي تنفطر بالبكاء لسفره، وتستنجد بي لكي أمنعه، أنا أرد: هو يعلم جيدً ما يفعله مالي أنا؟
بعد سنوات من إقامتي مع والدتي، تعلمت مني القليل من اللامبالاة، إلا أنها حينما ذهبت للقاء ربها حزنت كثيرًا علي فراقها إلا إني بعد شهر فقط عدت لطبيعتي، هذا حال الدنيا فلان يولد وفلان يموت.
كنت أحب المقامرة بأموالي، وكنت أخسر كثيرًا ولا أبالي، وفي أحد الأيام راهنت علي رقم "10" والغريب أنني ربحت أموالًا كثيرة ولكن لم أبالي، اليوم رابح غدًا خاسر، ما الجديد ؟
اقتربت مني فتاة يبدو علي ملامحها الشقاوة والإندفاع، هي ليست جميلة جمال صارخ ولكن علي الأقل هي جميلة في عيني، ورغم ذلك مالي أنا.
جلست بجانبي وهي تقبض علي كأس من النبيذ وتغمز لي بعيونها ذات الرموش الطويلة، وقالت: أنت يا هذا أنا أراقبك منذ فترة ليست بالطويلة، أتابع عندما تكسب أو تخسر لا أري أي انفعال، هل أنت تمتلك من الأموال الكثير حتي لا يبدو عليك الحزن أو السعادة.
هود: يومًا غني يوما فقير، لا أكترث.
الفتاة: لا تكترث، يا لها من كلمة، كارثة هذه الكلمة، أنت إنسان، مفهوم الإنسان هو كتلة من المشاعر، تركبية عجيبة من الأزدواجية في كل شيء، يسعد يحزن يبكي يضحك يهدأ يتعصب، هذا ما عليه البشر منذ خلقنا الله، حالة الإنسان متغيره وأيضًا مشاعره يحب ويكره، الإنسان في تناقض مستمر.
هود: سيدتي لماذا هذا الدرس في المشاعر، أنا لا أحتاجه، هل تريدي القليل مما ربحت ؟ هيا أطلبي وسأعطيكي ما شئتي.
الفتاة وهي تعقد حاجبيها في غضب: أنا لا أحتاج أموالاً يا هذا، أنا فقط ينتابني الفضول تجاهك ولم تخبرني ما اسمك؟
رد ببرود دون أن ينظر إليها: هود
تأملته الفتاة طويلاً، ثم ابتسمت، ويبدو أنها قرأت شيئا فيه، وقالت أنا إسمي نجمة، دائمًا تضيء وتتلألأ في السماء، فقط تنظر إليها من بعيد، لا تقترب لأنك لو أقتربت ستحترق وتنفي وتصبح ترابًا ثم تظاهرت بأنها تنفخ شيئًا من كفها.. وواصلت الحديث، ترابًا تدوسه الأقدام ، عندما تحترق وتدوسك الأقدام يا هذا ستبالي وتتوقف عن عدم الإكتراث.
تأملها هود ببرود، فمط شفتيه: ماذا تقصدين يا فتاة، ما المغزي من حديثك هذا؟ الذي لا أفهمه.
نجمة وهي تهمس ، أنصت إلي جيدًا يا هود أنا لن أخفي عليك، أنا معجبة بك منذ أن رأيتك هنا.
هود يبتسم في سخرية: وهل يصح أن نجمة عالية في السماء تعجب بشخص لا يبالي بشيء مثلي، حتي أنت يا فتاة مهما فعلتي وقولتي أنا لا أبالي، ولست أنت بعينها ولكني فقط لا أبالي بأي امرأة.
نجمة وهي تنظر لأظافرها الطويلة المطلية بلون أحمر: كل هذا سيتبدل ويتغير عندما تقع في غرامي، ستتخلي عن برودك هذا وستصبح إنسانًا مفعم بالمشاعر والحب، يهتم بشأنه وشأن الآخرين من حوله، وستتخلي عن هذا الرجل الآلي الذي بداخلك، أترك لي نفسك وسأجعلك تعرف قيمة الإحساس والمشاعر.. يا له من شعور وبالأخص شعور الحب، ستجد طعم حلو وطعم مر في نفس الوقت، هذا هو الحب يا هود أم أنعتك بكلمة "حبيبي" نعم أنت صرت حبيبي منذ هذه اللحظة.
أكفهر وجه هود وانتابه شعور مفزع من هذه الفتاة وجرأتهاعليه،فقال لنفسه: ما هذه الفتاة التي جعلتك تشعر بالفزع وتتخلي عن لامبالاتك، هيا قم وغادر وأترك هذه المجنونة لأحلام اليقظة المستحيلة.
هم هود بالإنصراف فقبضت نجمة علي كفه، فسحبها بسرعة كأن نار لسعته، وأتجه لسيارته ولكنها كانت تنادي عليه: هود لماذا الهروب يبدو أنك تتظاهر فقط باللامبالاة، وأنت كتلة من المشاعر.. فقط أقبل التحدي وأتركني أحبك ولنري هل ستتحرك مشاعرك تجاهي أم ستظل هكذا لا تكترث.
هو: يبدو أنك صعبة الفهم والمراس، انا لا أهتم حتي لو جاء شخص الآن وقتلك أمامي فلن أهتم، ولكن حسنًا قبلت التحدي وأراهنك ستخسرين.
نجمة وهي تفتح باب السيارة وتجلس بجانبه: إذا هيا بنا لمنزلك أنا قبلت التحدي يا عديم الإكتراث ولنري ماذا سيحدث؟
وصلا المنزل وفتح هود الباب وسط ظلام دامس، فأشعل الضوء الخافت ودخلت نجمةتتأمل شقته البسيطة، والتي لا يوجد بها سوي مقعدين وأريكة واحدة وسجادة واحدة تتوسط الصالة، والجدران خالية تمامًا من أي لوحة، فقالت له: يبدو أن شقتك قد أصابتها عدوي اللامبالاة منك، وواصلت حديثها وهي ترفع الأطباق من علي المائدة التي بلا روح خالية من المشاعر، لا لوحات لا تلفاز ولا نباتات، ولا كتب، والإضاءة مظلمة لا تنبض بالحياة والحب، مظلمة وخالية من كل شيء مثلك تمامًا، حتي لا يوجد كتاب واحد.
هود: لست بحاجة للكتب فهي مفسدة للعقول، تمامًا كالتلفاز كل شيء مكرر وممل، لا يوجد جديد في الكتب مجرد ببغاوات تكرر أحداث الحياة ولا يوجد جديد في الحياة الآن مثل الغد، مثلنا فنحن بشر مكررين وأحداث يومنا ثابتة، أنا كغيري عاش ومات ولم يقدم شيئًا.
ماذا تريديني أن أفعل، أتشدق بالكلام المعسول كعاشق لأوقع بالفتيات، أو أخطب لأصبح زعيمًا لفترة ثم أصبح ذكري سعيدة للبعض وسيئة للبعض، أو أشهر سلاحي لأحارب من أجل استرداد أرض.
وماذا لو أكترثت، هل أمنع المسلم من قتل أخيه المسلم، هل أمنع السرقة، الفساد، الغش؟ هل أمنع جرائم الإنسانية الأزلية علي الأرض.. صراعات صراعات علي كل شيء، وآهات وصراخ المظلومين الدنيا سجن بداخله آهات المعذبين المكترثين .
فمثلًا لو جلبت نبات وكنت أرعاه كل يوم ، سيأتي يوم ويذبل ويموت، فما الفائدة، ولو تزوجت وأنجبت فما الفائدة، سأسعد بالزواج قليلاً وبالإنجاب، وبعدها سألعن اليوم الذي تزوجت فيه، لذا من الأفضل التمتع بشعور اللامبالاة فقط ، وليحدث ما يحدث فأنا لن أحل مشاكل أزليةمتكررة تحدث منذ بدء الخليقة.لاوجود للسعاده هي كلمه في قاموس اللغويات نتشدق بها فقط
نجمة: أنت تريد أن تكون خيالًا علي الحائط لفترة ثم تتلاشي وتتخلي عن مشاعرك التي منحها الله لك دون سائر خلقه، تغضب وتثور، تحب وتكره، تدافع وتهرب، تستنكر وتشجب، هل سألت نفسك يومًا ما عن أسباب وجودك، لو تسائل كل شخص عن أسباب وجوده لحلت جميع المشاكل علي الأرض، ما هي مكنونات وجودك، لو عرفت لن تضل طريقك كما حالك الآن، ستصبح إنسان بالمعني الذي خلقه الله لك، إذا فلماذا خلق الله الديانات وأنزل الأنبياء وحملهم مشقة الرسالة للبشرية؟ لماذا خلق الله الأرض وأنزل المطر، وخلق الأنهار والطير والحيوان.. لماذا؟ هل الذي خلقك يهتم بوجودك وأنت لا، لماذا طلب الله من الإنسان أن يرحم أخيه الإنسان؟ وأن يساعد العاجز واليتيم وأن يرعي المرأة والطفل، حتي يأتي أمثالك يتفوهون بعبارات تافهة، أنا لا أبالي إذا أنت مجرد من المشاعر، أنت إنسان آلي لا يشعر بشي ليس لديك جسد يحس بالألم ولا قلب يحزن ويساعد وعينان تنظر وتتأمل وتتعجب وعقل يفكر في ماهية وجوده وأفعاله التي يرتكبها، ضمير يحاسبك.
أعتقد أنك يا عزيزي بداخلك إنسان فقط أنت تخفيه حتي لا تعاني، انت تكره المعاناة والألم ولا تتحمل فتتظاهر بأنك لا تكترث، ودوري هنا هو إيقاظ روحك التي تخبئها، روحك التي تأبي لامبالاتك وتريد التحرر، فقط أطلق سراحها، اخرجها من أسر عقلك وجسدك.
هود: وهو يخلع حذاءه ويتمدد علي الأريكة بعدم إكتراث، سانام هنا وأذهبي أنت للداخل، هناك سرير لتنامي عليه، وأغمض عينيه.
وقفت تتأمله للحظات ويبدو أنه لم يفهم حديثها جيدًا، فقالت لنفسها وهي ذاهبة للغرفة لتنام، يبدو أنك رجل أفعال لا أقوال حسنًا ليكن ما تريد.
استيقظت نجمة في التاسعة صباحًا، تأملت الغرفة فقط خزانة صغيرة ونافذة مغطاة بالأتربة يبدو أنها مغلقة من سنين، كل شيء مغطي بالأتربة، نهضت نافضة عنها الكسل وفتحت النافذة ليتسلل ضوء الصباح ، وخرجت من الغرفة فلم تجد هود، ففتحت الشرفة وصبت كوب قهوة وتناولته وهي ترتدي ثيابها في عجل، متجهه لماكينة الصرف الآلي وسحبت مبلغ من المال، وذهبت مباشرة وأشترت بعض الأشياء الأساسية لتعود الحياة للمنزل، أنتهت سريعًا وذهبت للمنزل.
وقفت تطبخ وهي تسمع "perhaps doris day" وتتراقص علي أنغامها، ويبدو أنها لم تنتبه لصوت وصول هود، والذي بدوره تسمر في مكانه من هول المنظر الذي وجده، وأعتقد أنه أخطأ في الشقة، دخل وهو يقدم خطوة ويؤخر الأخري، وفي النهاية أعجب بما رأي كل شيء تبدل وانقلبت الشقة رأسًا علي عقب، الجدران تزينت بلوحات، الأريكة تحولت للون الأحمر، المقاعد أختفت وحل محلها جديدة باللون الأخضر وسجاد مختلف الألوان ومائدة متوسطة الحجم بأربعة كراسي وستائر جديدة حتي الشرفة أصبح بها نباتات مختلفة الشكل والحجم، وقفص عصافير، دخل غرفة نومه فوجد سرير ذهبي اللون مفروش بغطاء أزرق سماوي يخطف الأنظار ودولاب ذهبي بمرآة، ومكتب صغير عليه أباجورة، وفجأة وجد جرو صغير يلحس قدمه وينبح عليه، فهتف بذعر: كلب هذه أفعال مجانين.
وأندفع متحهًا للمطبخ وأغلق الموسيقي وقال بصوت أشبه بالصراخ: هل جننتي ما الذي دفعك لجلب كلب لمنزلي؟ وما الذي فعلتيه أصلًا بالمنزل، تغيير المنزل لم يكن في الإتفاق، الآن فورًا أخرجي الكلب من منزلي ، وأعيدي كل شيء كما كان.
نجمة وهي تتذوق الطعام في برود: واو ما اجمل صنع يدي كم أنا ماهرة في إعداد الطعام.
هود وقد بدأ صبره ينفذ: هل أنت صماء.. أنا أنسحب من التحدي أخرجي من منزلي حالًا.
نجمة: هل تخشي من التحدي، أم أن هذه التغييرات البسيطة قد أفقدتك جزء من لامبالاتك، لهذا تريد أن تطردني، هيا فلتكن شجاعًا ولتكمل التحدي أم تخشي الهزيمة.
هود متعلثمُا: لا أخشي ولكن وجود هذا الكلب معناه انسحابي من التحدي.
نجمة: حسنًا في الصباح سأعيده للمحل.
هود: ولما ليس الآن؟
نجمة: أنا أقف علي قدمي منذ الصباح لتوضيب المنزل عديم الإحساس وإعادته للحياة مرة أخري، أرجوك يا هود في الصباح لن تجده.
هود عاقدًا حاجبيه في غضب: حسنًا ما هي إلا ساعات قليلة ويأتي الصباح وأندفع خارجًا في عصبية، ونجمة تضحك بشدة محدثة نفسها: ها قد بدأت لامبالاتك تتلاشي وأصبحت تثور وتغضب مثلنًا.. صبرًا يا هود لم تري إلا القليل، ما سأفعله بك كثير حتي تتوقف عن عدم إكتراثك.
وضعت الطعام علي المائدة وفي المنتصف وضعت مزهرية ونادت علي هود، الذي جاء مرتديًا ملابس العمل لم يبدلها .
فسألته بإستغراب لماذا لم ترتدي منامتك؟
هود: بحثت كثيرًا عنها ولم أجدها يبدو أنها ضاعت وسط هذه الفوضي التي أحدثتيها.
ضحكت نجمة في سخرية: فوضي، بحقك يا هذا أنت تغالط نفسك وتكابر، واتجهت إلي غرفته وأتت بواحدة جديدة وناولته إياها، هيا أرتديها بدلًا من القديمة التي كانت لديك.
نظر إليها وأستشاط غضبًا: حتي هذه تدخلتي فيها.. أشكرك لن أرتديها سأظل بثياب العمل أفضل لي.
مطت شفتيها وقالت: كما تريد
وجلست تتناول الطعام بشهية مفتوحة، لم يجد هود امامه غير الجلوس ومد يده بتثاقل إلا أنه وجد أن الطعام لذيذ، فأخذ ياكل بشراهة وسعادة واضحة علي وجهه، دون ان يشعر أنها ترمقه وشبح إبتسامة النصر تلوح علي وجهها.
فرغ من تناول طعامه ونظر لها في امتنان: أشكرك الطعام مذاقه رائع.
نجمة: بالفعل يا هذا لقد رأيت السعادة علي وجهك أخيرًا، أرأيت وجبة من الطعام جعلتك تشعر بالسعادة، أبسط الأشياء تسعدنا وتؤثر فينا، ها قد تخليت قليلًا عن برودك سواء بعصبيتك علي الجرو الصغير الذي لا ذنب له، ولكن يبدو أنني سأنتصر.
شعر هود بالضيق يعتريه رغم حقيقة ما تقوله نجمة إلا أنه بدا متضايقًا فهو بالفعل قد تخلي اليوم عن بروده وأنفعل في أمور كثيرة، فوضع علي وجهه إبتسامة باردة ولم يتفوه بكلمة، وأتجه للأريكة ليتمدد قليلًا.
رفعت هي الأطباق من علي المائدة، وذهبت لتأخذ حماما ساخن، وخرجت مرتدية ثوب أحمر قصير عاري، وأطلقت شعرها ووضعت أحمر الشفاة، وشغلت الموسيقي.
تاملها هود في ذهول محدثًا نفسه: ما هذه المرأة؟ ما هذا الذي ترتديه؟ أي داهية جلبت لنفسك؟ هذه مصيبة نزلت علي من السماء يجب التخلص منها أنا لم أعد أتحمل المزيد.
جلست بجانبه ووضعت الكلب علي ركبتيها وهو مستغرق في التفكير، مدت كفها ولامست كفه إلا أنه سحب كفه سريعًا، وقال لها: ماذا تريدين يا فتاة أنا رجل عادي لست بغني ولا أجيد ممارسة شيء ولا أهتم بشيء.. لماذا تضيعين وقتك مع شخص مثلي يكره المشاعر.
نجمة: حقًا.. هل هذا وقته؟ لتقم وترقص معي هيا، ألا تغريك الموسيقي، هيا كتلة البرود، الموسيقي تحرك الجبال تتراقص أرواق الشجر، وتجعل البلابل تصدح، والعصافير تشدو، قلبك نفسه يهتز وينبض فرحًا وحزنًا هيا أرقص دع روحك ترقص.. أتركها، حررها وقبضت علي كفه ولكنه أبي النهوض وظل متسمرًا في مقعده، حملت هي الجرو وأخذت ترقص معه وتطلق الصيحات في جنون وتهتز وتتمايل، حتي أنطلقت ضحكة من هود من هول ما تقوم به إلا أنه شعر بالسعادة والإختلاف.
جلست بجواره تلهث وبصوت متقطع قالت: ما رأيك؟ أري أنك سعيد بهذا الرقص المجنون ولكن ماذا أفعل كنت أريد أن تأخذني بين ذراعيك وتنظر لعيناي وأصبح جزء من روحك، نرقص كأننا واحد ثم تقبلني من شفتاي ولكن... ههه أحلام يقظة أليس كذلك يا هذا.
أبتلع هو ريقه بصعوبة مع كل كلمة كان يتخيل المشهد فتظاهر باللامبالاة وقال في صعوبة: تصبحين علي خير يا فتاة، وأعطي ظهره وتظاهر بالنوم.
اتجهت نجمة لغرفتها وأحتضنت الوسادة وسرعان ما نامت فقد بذلت مجهودًا خرافيًا اليوم، ولكنها أستيقظت في السابعة صباحًا وأرتدت ملابس الخروج وأعدت الإفطار وأيقظت هود: هود هود أنا ذاهبة لزيارة أمي حتي لا تقلق من غيابي، أعتني أنت بالجرو وأسقي النباتات وأطعم العصافير.
هودفي كسل: حسنًا أذهبي أنت ولا تنسي الكلب وخذيه معك.
مالت نحوه وقبلته علي جبينه وخده بسرعة وقبل أن يعترض وضعت أصبعها علي شفتيه ونظرت له بإبتسامة واسعة، تأملها هو في صمت، ذهبت هي وبقي هو في صمت متسائلًا عما تفعله هذا الفتاة، ثمة شيء غريب يحدث ثمة شيء ينمو بداخله، هل أخمده أم أنتظر، ولكن لو أنتظرت ربما سيكون هناك عواقب، زلزال زلزل كيانه وإذا مر هل سيمر بسلام أم ستكون له تبعات، ولكن هذه الفتاة قد بدأت تؤثر فيه، ما العمل؟ هل أستمر أم أتوقف.. لا سأتوقف حين تأتي سأخبرها أن تأخذ أشيائها وترحل من حياتي الباردة، أنا فقط لا أكترث.
وجد نفسه يبتسم لقد حسم أمره وسيواجهها بكلمة واحدة: أنا لا أريدك.
قام وأخذ حماما وتناول الإفطار والغريب أنه قام بتشغيل جهاز الموسيقي وبدا مستمتعًا ووضع طعام العصافير وسقي النباتات، وبدأ جسمه يتراقص اراديا ، ونظر للكلب وجده يرمقه بنظرات استغراب فحمله وتراقص به وهو يضحك ثم وضعه ووضع له طعام في طبقه وهو يتحسسه ويربت علي ظهره، وعاد هو للرقص مرة أخري حتي أنهك فجلس علي الأريكة في سعادة وإرتياح.. آه يا لروعة الموسيقي أشعر بهدوء أعصاب، كيف عشت هذه الفترة دون سماع الموسيقي ولكن... لا، ماهذا لقد جننت ؟ أتجه إلي المشغل وأغلقه ووجد مجموعة من الكتب جلبتها نجمة، لفت نظرة كتاب "مرتفعات ويذرينج" تصفحه وأخذ يقلب صفحاته وشعر بلذة في القراءة، عندما رفع وجهه وجد نجمة أمامه فشعر بسعادة غريبة ووضع الكتاب جانبًا وهتف: نجمة لقد تأخرتي كثيرًا.
نجمة في خبث: يبدو أنك أستغللت غيابي وبدأت في القراءة، ولم يفرق غيابي اليس كذلك؟ فالقراءة تأخذك لعالم آخر.
خجل هود لأنها وجدته متلبسًا بالقراءة، فلا مفر من الإنكار، فالقراءة بالفعل شيء ممتع.
شعرت نجمة بتوتره فهتفت مسرعة: هيا أرتدي ثيابك سأخذك لمكان الأحلام.
فتح فمه ليعترض ولكن كالعادة وضعت أصبعها علي شفتيه هامسة: الإعتراض مرفوض، فلم يجد هود امامه سبيل غير الإذعان والموافقة، والغريبة أنه كان سعيدًا جدًاا.
توقفت السيارة في مكان بالقرب من شاطيء البحر، سارت نجمة بجواره ممسكة كفه حتي وصلت للشاطيء، فجلست وأخذت تخرج الطعام، وساعدها هود وشرعا يتناولان الطعام في صمت ولكن عيونهم تقول كلام مختلف عن الصمت، يبدو أنها لغة العاشقين.
تمددت نجمة علي الرمال وطلبت منه أن يتمدد بجوارها، أطاعها دون اعتراض وهمست في أذنه: هل ترى السماء صافية والموسيقي أكاد أسمع صوت خفقان قلبك، فصوته يخترق قلبي ثم مالت عليه هامسة: أحبك، وقبلته بنعومة.
لم يعترض هود علي قبلتها بل تركها تفعل ما تريد فقبضت علي كفه ووقفا يرقصان علي الرمال.
تغير هود كثيرًا، بدا يكترث بمن حوله، وبدأ يندمج مع أصدقائه في العمل ويستمع لمشاكلهم ويحلها، وبدأ يساعد الجميع، وبدأ قلبه ينبض بالمشاعر، لم يتواني عن إطعام الكلب أو سقي النباتات، بدأ يساعدها في الطهي.
أصبح إنسانًا تحررت روحه أخيرًا، وتسائل في أعماقه ما الذي كان يخمدها؟ ما الذي جعلها حبيسة لسنوات طوال؟ لماذا لم أشغل بالي لقد تحررت بفضل نجمة، لقد جعلتني أري روعة المشاعر، لها الفضل فيما وصلت إليه، وقرر شراء شيئًا لها أعتقد أنها ستسعد به كثيرًا.
دلف المنزل وضوء النهار يضيئه والنباتات تنظر إليه مبتسمه والكلب يرحب بوجوده، موسيقي هادئة تنبعت تريح الأعصاب، كل شيء أصبح جميلاًا وتم إزالة الأتربة من علي كل شيء حتي روحه، أتجه مسرعًا إلي المطبخ وأحاط نجمة بذراعه من الخلف، فضحكت ملتفتة إليه بدهشة: لقد أفزعتني أول مرة تفعل ذلك. قلبي سيقف من السعادة هل هذا أنت حقا؟
هود في حب: تغيرت بفضلك أصبحت إنسان، كتلة من المشاعر التي علي وشك الإنفجار أو أنها أنفجرت بالفعل.
نجمة وهي خافضة بصرها في الأرض: حسنًا يا هود لتستعد سأخذك إلي مكان ما ولكن بعد تناول الغذاء.
اتجه إليها وقبل يدها في حب، لم يعرفه قلبه من قبل.
في الليل وعلي ضوء القمر والنجوم أخذته لنفس المكان الذي أعترفت فيه بحبها، فبادر هو هذا المرة وركع علي ركبتيه أمامها، قلبه هو الذي يتحدث قابضًا علي كفها: أحبك.. قلبي ينبض بحبك وتغمره السعادة كلما رأيتك، لقد خسرت التحدي وأعلنها لكي وللسماء والبحر شاهدين علي أنك يا نجمة صنعتي مني إنسان جديد، كان ميتًا وأيقظه حبك وحنانك.. أريدك وأريد حبك للحياة، أريدك وقد أحببت الحياة من أجلك ولأجلك كل شيء أصبح جميلًا له مذاق.. هل تقبلين الزواج مني؟
صمتت نجمة وسحبت كفها من قبضته ثم ضحكت بسخرية شامته: ها الآن قد تخليت عن لامبالاتك وغرقت في بحر العشق القاتل.. نعم العشق القاتل، لن أطيل عليك كما قلت لك قبل ذلك أنا نجمة بعيدة تنظر اليها فقط من بعيد لتستمتع بشكلها هي تضي طريقك ولكن إذا حاولت الإقتراب والمساس بها تحترق وتصير ترابًا تدهسه الأقدام.. لقد أديت دوري تجاهك، أنا خدعتك، مثلت عليك الحب الزائف لكي تعود لإنسانيتك، تحب وتعشق، تحزن وتتألم للفراق، انت سعدت بالعشق وشعرت بحلاوته، فلتجرب شعور مذاق الفراق.
هود هذا حال جميع البشر، المشاعر هي ما تجعلنا نستمر، لولاها لأندثرنا من زمان، لا تلومني ولا تسبني، فقط أشكرني علي ما صنعته لك، ستتعذب وتبكي وتعودإلي لامبالاتك مرة أخري ولكن يا عزيزي لقد فات الأوان لن تقدر لأنك تغيرت، لن تستطيع الرجوع للوراء.
يومًا ما ستقابل فتاة أخري تحبها أكثر مني، ولكن بالأخير أنت إنسان وهذا ما أردت أن أجعلك عليه، حافظ علي إنسانيتك مهما وقع عليها من ظلم،وفساد لقد خلق الله الإنسان قوي بعقله ومشاعره، أنا علي يقين أنك لن تتخلي عنها لأنك كنت تبحث عنها، وفراقي لك سيجعلك أفضل.. الوداع يا هود ها قد أنتهي دوري.
وقف هود مندهشًا وهي تسرع الخطي للرحيل، وجد نفسه يضحك بصوت عالي وصدي ضحكته يتردد وبالأخير بكي بكاءًا مريرًا وتمدد علي الشاطي يتأمل نجمة في السماء بعيدة.
لا مفر من أن ثمة أمور تدفعك قليلًا للتبلد والتخلي عن مشاعرك للحظات، ولكن بالأخير نحن بشر مشاعرنا هي من تدفعنا لفعل كل شيء واتخاذ القرارات سواء كانت صائبة أو خاطئة، المشاعر هي من تجعلنا نتحكم في زمام الأمور ولولاها لما شعرنا بلذه الحياة.