الإثنين 4 مارس 2024 08:51 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

دكتور علاء الحمزاوى يكتب : سورة العلق والطغيان الغاشم (7)

دكتور علاء الحمزاوى
دكتور علاء الحمزاوى


ــ جاءت السورة توثيقا لطغيان أبي جهل وظلمه وتمرده على الحق، لكن صيغت آياتها بأسلوب متميز متفرد يستوعب نماذج أبي جهل على المستوى الفردي والمجتمعي في كل زمان ومكان، وأعلى نموذج معاصر لأبي جهل هو العدوان الإسرائيلي على فلسطين؛ لأنه عدوان على الأرض والعِرض والنفس، وثلاثتها تمثل الوطن؛ والدفاع عنها واجب وحـق لكل مواطن؛ لأنها من الضرورات الخمس التي أمر الإسلام بحفظها.
ــ وصلنا إلى قوله تعالى: {أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّىٰ}، المخاطب هو النبي، والمتحدَّث عنه أبوجهل، والرؤية علمية، والاستفهام للتهديد والتوبيخ، والمعنى: هل علمتَ أيها الرسول إن أصر ذلك الطاغية على كفره، فكذب بما جئت به من الحق، وتولى وأعرض عما تدعوه إليه من إيمان وطاعة لله؟ وجواب الشرط محذوف تقديره (فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيا)، وتكرار {أرأيت} ثلاث مرات مساندة ومواساة للنبي واستنكار وتعجُّب من ذلك الكافر الذي آثـر الغَيَّ على الرُّشد، واستغنى بالشرك عن الإِيمان، فاستحب العمى على الهدى.
ــ {أَلَمْ يَعْلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَىٰ} خطاب استفهامي بيَّن فيه ربنا أنه مطَّلِع على تصرفات ذلك الطاغية ضد رسول الله من سفاهة وحماقة وأذى، والاستفهام للتهديد والوعيد بأن الله سيعاقبه بكفره وإصراره على إيذاء النبي، ومع أن ظاهر الخطاب تهديد لأبي جهل فإنه جاء بصيغة عامة تجعله موجها لكل طاغية على شاكلته.
ــ {كَلَّا لَئِن لَّمْ يَنتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ} تهديد مباشر يكشف فيه ربنا عن العقاب المنتَظَر لذلك الطاغية، فـ{كَلَّا} حـرف زجر وردْع له ولأمثاله في كل زمان، والناصية مقدمة الرأس، والمراد بها ناصية ذلك الطاغية الذي كذَّب وتولَّى ونهى عن عبادة الله، وخصت الناصية بالذكر؛ لأنها مظهر الغرور والكبرياء، ولذا كان أبوجهل كان شديد الاهتمام بترجيل ناصيته وتطييبها وتسويدها، فأخبره الله أنه يسوّدها مع وجهه، وهنا نفهم سر السجود على الجبهة؛ ليكون مظهر الكبرياء هو مظهر التواضع لله، والسَّفْع الجذب الشديد بغرض الإذلال والإهانة، فكان العرب إذا أرادوا إذلال إنسان وإهانته سحبوه من شعر رأسه، وهنا نفهم لماذا أمسك موسى أخاه هارون من شعر رأسه يجره إليه؛ لأنه أراد أن يهينه لما ظن أن أخاه قصر في دعوة القوم، والسفع الاحتراق، يقال: فلان سفعتْه النار إذا أحرقته وغيّرتْ ملامحه، ولذلك لما أقدم أبوجهل على إيذاء النبي وهو يصلي عند الكعبة رأى نارا أمامه كادت تحرقه، والمعنى لئن لم يُقلع ذلك الطاغية عما هو فيه لنُذِلّــنَّه ولنُعذّبنّه عذابا شديدا في الدنيا والآخرة.
ــ {نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ} وصْف للناصية بأنها كاذِبَة خاطِئَة، و{ناصية} بدل من {الناصية}، وجاز إبدال النكرة من المعرفة؛ لأنها نكرة موصوفة مفيدة، ووُصِفت بأنها كاذبة خاطئة للمبالغة في تعمّد ذلك الإنسان ارتكاب الذنب، وقيل: المعنى مجازي، إذ لا توصف الناصية بالكذب، والمراد ناصية كاذب خاطئ، لكن أبحاثا علمية معاصرة أثبتت أن التعبير القرآني سيق على سبيل الحقيقة لا المجاز، فجزء المخ الذي هو تحت الجبهة مباشرة في الناصية هو المسئول عن الكذب والخطأ والرؤية والسمع واتخاذ القرار، ولذا جاء في الحديث "اللهم إني عبدك ابن عبدك ابن أمَتِك ناصيتي بيدك"، أي جميع تصرفاتي بقدرتك يا رب، وهنا نفهم سر الربط بين الناصية الساجدة لله والسلوك المستقيم للمصلي في قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ}، وهذا من مظاهر الإعجاز القرآني والنبوي، فلو قطع هذا الجزء من المخ فإن صاحبه غالبا لا تكون له إرادة مستقلة، فلا يستطيع أن يختار، بل يفقد سيطرته على نفسه.
ــ ومما يلفت النظر كلمة {خاطئة}، فهي أدق من (مخطئة) في الاستعمال؛ لأن {خاطئة} اسم فاعل من خطئ خطيئة فهو خاطئ، وهو الذي يرتكب الذنب متعمّدا، فهو مصرٌّ على ارتكاب الخطأ وتكراره، وشواهد القرآن تؤكد ذلك، قال تعالى: {وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ}، وقال تعالى: {قالُوا يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ}، وقال تعالى: { إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ}، وقال تعالى: {إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا}، فكلها تحمل دلالة الذنب المقصود، أما (مخطئة) فهي من الفعل أخطأ خطأً فهو مخطئ، وهو الذي يخالف الصواب سهوا أو جهلا، ومن شواهد القرآن في ذلك قوله تعالى: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا}، وقوله تعالى: {وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ}، وقوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً}، فكلها تحمل دلالة مخالفة الصواب سهوا أو جهلا، وللحديث بقية.