الإثنين 15 أبريل 2024 05:49 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

دكتور عادل القليعي يكتب : أيها المحتكرون... كفاكم ...قفوا عند منتهاكم.

دكتور عادل القليعى
دكتور عادل القليعى

نعم هو حالنا وحال العالم من حولنا لا يخفى على أحد ، أزمة إقتصادية طاحنة تضرب العالم ، تتفاوت شدتها وحدتها حسب إقتصاد كل دولة ، لكن تأثرت بها الدولة الفقيرة والنامية ، وتأثيرها واضح جلي لا يخفى على أحد ، لكن كيف الخروج من هذه الأزمة ؟!.
الحلول لا تكمن في كثرة الكلام والقيل والقال ، وإنما لابد من خبراء إقتصاد حقيقيون لابد أن يتصدون لحل هذه المشاكل الاقتصادية ، لكن إن جاز لي القول فسأتحدث عن الاحتكار الذي هو سبب رئيس في المشكلة الإقتصادية التي تمر بها بلدنا الحبيب مصر.
فما هو الاحتكار ، وما أنواعه وصنوفه ، وما حكم الشرع في المحتكر ، وما آثاره على الفرد والمجتمع ، وما هي سبل التصدي له؟.
الاحتكار لغة من الحكرة وهو السيطرة.
واصطلاحا هو حبس الطعام أو كل ما يضر الناس أو يعسر عليهم وقت الحاجة الماسة حين تكون قليلة أو نادرة حتى يرتفع ثمنها فيعرضها للبيع.
ثمة عوامل تساهم فى الاحتكار ، أولها: إنتاج سلعة معينة غير متوفرة في السوق بحيث إن السوق لا يحتمل أكثر من منتج واحد.
وثانيها: أن يكون الشيئ المحتكر طعاما من أطعمة الناس الأساسية ، فلا يكون مع الاحتكار حبس أطعمة البهائم أو أطعمة الناس الكمالية ، كالحلوي بأنواعها ، ولا غير الطعام كالملابس مثل العقارات ، السيارات وخلافه ، مما لا يترتب عليه ضرر جسيم بالمواطن في سلعه الضرورية التي تقوم حياته.
ثالثها: أن يكون المحتكر قد أشترى هذا الطعام وخزنه انتظارا لارتفاع أسعاره أو بلغة السوق والتجارة ، إنتظار أن يعطش السوق منه ، ثم يضخه في الأسواق بالسعر الذي يحدده.
أما إذا كان هذا الطعام جمعه من مزرعته فلا يعد محتكرا لأنه لا يترتب عليه اضرارا بالناس.
رابعها: غياب الرقابة أو بمعنى أدق تغييب الرقابة على الأسواق ، بمعنى قيام الرقابة بحملات شكلية صورية على المحكترين وذلك عن طريق إبلاغهم بأن ثمة حملة قادمة في اليوم الفلاني فيسارع المحتكر بإخفاء سلعه التي يحتكرها بعيدا عن الأنظار مقابل الرشاوى الباهظة التي تدفع من أجل التجارة بقوت البسطاء من فقراء الأمة
ومن ثم وجب تكثيف الحملات التفتيشية الحقيقية التي تتميز بالنزاهة والشفافية ، والتي حتما ولابد أن يكون اختيارها بإتقان.
كذلك متابعة منافذ صرف التموين للناس متابعة جيدة منعا لخروج السلع التموينية من الأبواب الخلفية لبيعها في ما يسمى بالسوق السوداء المحتكرون وما أن يعطش السوق يضخونها ويتحكمون في أسعارها مما يلحق ضررا جسيما بالمواطن البسيط ويجعلونه يئن من غلو الأسعار ، مما يلحق ضررا اقتصاديا جسيما للبلاد ، ليس هذا وحسب بل سيكون له آثار إجتماعية سلبية على المواطنين فسيتفشى الحقد والحسد والكره للدولة من ناحية وأنها عاجزة عن توفير القوت الضروري للأسر ومن ثم يصب المواطنين وابلا من اللعنات والشتائم على الحكومة هذا من ناحية ، ومن ناحية أخرى ، من الممكن أن تنتشر رذيلة السرق والسلب والنهب بين أفراد المجتمع ، فمن لا يجد قوته وقوت أسرته ماذا سيفعل ، سيمد يده. وهناك شواهد من التاريخ على ذلك كثيرة لا داعي لسردها حتى لا نصيب الناس بالاحباط ، فإن شاء الله تعالى لن يحدث ذلك في بلادنا ، شريطة أن تتشابك كل الأيدي وونلتف حول بعضنا البعض الغني يعطي الفقير ، بما يحقق تكافلا اجتماعيا وتعاونا على البر والتقوى ، فكيف نبيت في بيوتنا شبعى وجيراننا أطفالهم يتضورون جوعا، ولنا في عبد الله بن المبارك الأسوة والقدوة الحسنة ، عبد الله بن المبارك الذي عطل حجه وأعطى نفقاته لسيدة كانت تطهي الطعام لأولادها من خلال دجاجة جمعتها ميتة من القمامة ، وما أكثر الناس التي تأكل من القمامة الآن ، وما أكثر من يعيشون في القصور ولو أن فائض اطعمتهم وزعت على الفقراء لكفتهم ، فإلى جانب استيرادهم لأطمعة كلابهم من الخارج ، يمدوا يد العون للفقراء والمساكين والمحتاجين وما أكثرهم الآن.
أيضا لابد أن نقف بجانب الحكومة ، ونساعدها في الكشف عن هؤلاء التجار الجشعيين المحتكرين بالابلاغ عنهم فورا ، فكل من بجواره جمعية استهلاكية وارتاب في ما يحدث فيها فعليه بالابلاغ عنها فورا ، كل من يرى تاجرا مغال رافعا للأسعار بزيادة مبالغ فيها فعليه فورا بالابلاغ عنه من باب درء المفاسد ، ومن باب من رأى منكم منكرا فليغيره ، وإن كنت تخشاه أبلغ المسؤول دون أن تعرف بنفسك.
وأقول لهؤلاء المحتكرين أما آن لكم أن تتوبوا إلى الله وتستغفرونه ، أما تعلمون أن الاحتكار حرام ومنهي عنه بأحاديث صحيحة عن النبي صلى الله عليه وسلم (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، إذ لا يجتمع الإيمان في قلب محتكر احتكر قوت الناس وسلعهم الأساسية.
ثم لماذا تحتكر ، ألجمع الأموال الطائلة ، نسيت قول الله ، لكن لا ضير أذكرك به (ولقد جئتمونا فرادي كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم)، فلن تغني عنكم الأموال ، لا فى الدنيا ولا في الآخرة ، فى الدنيا ستتركونها وسيثرها ولد فاسد سينفقها فى الأمور التافهة وستعذب بها أنت في قبرك ، وفى الآخرة ستحمى عملاتكم في نار جهنم فتكوى بها جباهكم وجنوبكم وظهوركم ، جراء ما كنتزتم من حرام.
فالحكمة من تحريم الاحتكار هي رفع الضرر عن عامة الناس ، يقول الإمام مالك رفع الضرر عن الناس هو القصد من التحريم ، وفي رفعه رفع للحقد والحسد والضغينة بين الناس.
وأكرر واشدد على أن الاحتكار منهي عنه في الشرع الإسلامي لما فيه من الاضرار بالناس والتضييق عليهم ، واتفق العلماء على حرمته واستدلوا بقوله تعالى (ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم)سورة الحج الآية ٢٥.
فعن أبي يعلى بن أمية ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (احتكار الطعام فى الحرم إلحاد فيه)
فالاختكار جرم كبير كما ذكرت سلفا ، جريمة دينية واقتصادية واجتماعية ، بل هو ثمرة من ثمرات الإنحراف عن منهج الله القويم الذي يرسم طريق السعادة للإنسان ويحقق العدل والمساواة بين بني البشر.
أما صور الاحتكار فهي كثيرة ، فهي ليست مقصورة على الطعام والشراب والسلع ، وإنما ١- في كل ما يحتاجه الناس من مال وأعمال ومنافع.
٢- احتكار المناصب والمراكز بمعنى سيطرة البعض على المراكز المرموقة لسنوات عديدة دون أن يسمح لأصحاب الكفاءات أن يتولونها فهذا نوع من الاحتكار أو يدخرها لابناءه من بعده وأحفاده.
٣-احتكار العلم ، فالعلم ليس حكرا على أحد ، لكن يضن ويبخل بعلمه ولا يؤدي زكاة علمه فيكتمه عن الناس ولا يعلمهم ويجعلهم دوما في حاجة إليه ، كما يفعله بعض المعلمين ، فلا يعطون العملية التعليمية حقها في فصولهم ويضنون على تلاميذهم من أجل الدروس الخصوصية.
وقد وردت أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم تدل على تحريم الاحتكار منها ( من دخل في شيئ من أسعار المسلمين ليغليه عليهم ، كان حقا على الله أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة)، وأيضا قوله (من احتكر حكرة يريد أن يغلي بها على المسلمين فهو خاطئ، والخاطئ هو المذنب العاصي لله تعالى)، وقوله صلى الله عليه وسلم (من احتكر على المسلمين طعامهم ضربه الله بالجذام والافلاس)
تلك هي عقوبة المحتكر الذي يتلاعب بأقوات المسلمين وغير المسلمين.
وبعد فيا أيها المحتكرون ، ماذا أنتم فاعلون ، هل أنتم منتهون، راجعوا أنفسكم واحتكموا لعقولكم، وإلا فأذنوا بحرب من الله تعالى.

#أستاذ ورئيس قسم الفلسفة بآداب حلوان.