الأربعاء 29 مايو 2024 06:17 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الومضه التاسعه عشر( جزء ثان)

الكاتب الكبير علاء عبدالعزيز يكتب : بيت الاناث.

الكاتب الكبير علاء عبدالعزيز
الكاتب الكبير علاء عبدالعزيز

هي ليست جرأه ولكن مرض الزهايمر هو السبب ياضنايا وهو ما جعل تلكم العجوز المسنه تهبط يوميا من بيتها في اخر الحاره تسأل الناس اسأله مجحفه تريد استرجاع بها جزء من ذاكرتها بجرأه ، في هذه المره استوقفت فتاه ثلاثينيه تسألها عن حسنها الذي راح ، وكان في يوم من الايام حسنها مضرب الامثال ، وسحنتها التي تبدلت لتحمل الكدر والتجهم بدل من السعاده والابتسام ، ثم هبطت بنظرها الي خصرها تسألها عن بطنها وهل هي منتفخه بفعل القولون اوبفعل فاعل؟
فاجابتها الشابه التي دخلت منذ عامين الي عش الزوجيه خارج الحاره ، وكان زواجها بؤس علي ابويها التي لاتملك غيرهم ولايملكون غيرها .
في العام الاول رحل الاب وفي مقتبل العام الثاني هاجم الام بشده مرض النسيان ،يومها اشفقت الفتاه علي العجوز واجابتها بهدوء:
انتفخت بفعل فاعل ؟
-واين الفاعل لما لم يصطحبك الي الحاره ؟
-لقد هجرني منذ ثلاث اشهر ولم أعلم عنه شيئا فتركت بيت الزوجيه واتيت الي بيت امي!
-بالتأكيد سوف تكن لك سندا قويا كما كانت لك في الصغر!
زرفت الفتاه بعض الدموع من مقلتيها ثم اردفت الي العجوز:
لقد اتيت الي الحاره كي ارعاها بعدما سئمت من عادات زوجي من تكرار رحيله عن البيت بغير مبرر ! ثم انها بعد موت ابي تتذكر الناس والاحداث بالكاد واحيانا لاتتذكر شيئا ،ينسحب ذالك علي، فلاتذكرني ولاتعرفني ، فجئت اليها كي اقم معها اقامه كامله انا وطفلي الذي لم يولد بعد.
-عفوا انا لا استطيع ان اتذكر اسم امك او هيئتها حتي اراها فتذكرني بنفسها ،ولكني قرأت تغيرات الزمن والظروف علي وجهك وتذكرتك وانت صبيه صغيره وفتاه كبيره والان حين دلفتي مسرعه الي الحاره، فبالامس كنت كالورده المتفتحه والان اصابك ذبول الهم والغم والكرب العظيم ، فهوني عليك يافتاتي فنحن نحمل عظيم القلق علي امورا لم تحدث بعد ، وهذا القلق الذي عانيت منه كثيرا حتي امرضني وخلق مني عجوز تحمل فضولا لاتحمله فتاه صغيره .
ارادت الفتاه الانصراف من امام العجوز ولكن العجوز جذبتها من يدها واستحلفتها ان تبلغ سلامها الي امها التي لا تتذكر اسمها، فأومئت الفتاه برأسها وانصرفت من امام عجوز الحاره التي حملتها بهم جديد فوق همومها تحسرا علي تلك المرأه التي كانت يوما تحمل ودا للجميع ويحمل الجميع ودا لها ، والان يهرب منها الجميع فلايمنحوها بعض لحظات للتوقف ويمرون سراعا من امامها .
كان انصرافها بطيئا وفي نفسها تجاذب واحاديث مصطربه وهي تتلكأ بعض خطوات في الطريق الي بيت امها ، تاركه العجوز تستوقف انثي غيرها ، ولكن العجوز لم تستوقف احدا غيرها وسارت بعض خطوات ورائها تبغي شيئا اخر من الفتاه وربما تكون احد امانيها الاخيره وهي ان تدعوها الفتاه للتعرف علي امها التي لم ترها منذ سنوات .
كانت العجوز تقدم قدم وتؤخر الاخري وتتظاهر احيانا بالوقوف بعرض الحاره ، حتي ايقنت الفتاه بالغرض من تلكؤها وعدم التعرض لغيرها وانتصر حديث من احاديث النفس لصالح العجوز فتراجعت الفتاه الي الخلف خطوات ومدت يدها نحو العجوز فتلقفت العجوز يدها بشغف ، وسار الاثنتين الي بيت ام الفتاه ، التي وقفت خلف الباب تسأل :
من الواقف بالباب عشر مرات قبل ان تفتح لهما ؟
ولما اصرت علي التكرار ، فتحت الفتاه جيب حقيبة يدها تخرج منه مفتاح الشقه وتديره في عنق الباب حتي فتح الباب علي مصرعيه فظهرت امها وهي لازالت تكرر قولها :
من الواقف بالباب ولم تسكت حتي تواري الثلاثه بالداخل ، يومها قامت الفتاه بمجهود مضني لاشعال ذاكره ايا منهما ، ولكن كلا منهما الام والعجوز لم يتعرفا علي بعضهم البعض ولم يتذكرا بعضهم البعض،فقد حنط الزهايمر الذاكره واحاطها بأسلاك النسيان الشائكه فسدت سبل الذكريات وقيدت الاحلام وجعل الحياه انفاسا بغير روح ، ولكن الغريب هو موقف الام التي كلما ارادت العجوز الانصراف ترفض الام انصرافها فلقد وجدت ضالتها في مجالسه العجوز والحكي معها ، وحين رأت الفتاه حاجه الاثنتين الي المؤانسه قررت استبقاء العجوز بالبيت وصارت تعول اثنتين وبعد سته اشهر سوف تعول ثالثه ،فتضحي الرابعه بينهم ، وينقسم البيت الي جزئين، جزء للحياه الدنيا( الفتاه وابنتها) والاخر لحياه الاخره .