الجمعة 19 أبريل 2024 11:31 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الومضه الواحده العشرون(جزء ثان)

الكاتب الكبير علاء عبدالعزيز يكتب : شارع الجواهر.

الكاتب الكبير علاء عبدالعزيز
الكاتب الكبير علاء عبدالعزيز

وقف الفتي القاهري في البلكون الشبه متهالك في البيت القديم الذي وقف امام الزمن لايريد ان يهزمه ، هذا البيت القديم كانت تمتد اليه الارض الزراعيه قبل انشاء مصنع كابو "للمنسوجات القطنيه "في اوائل القرن الماضي ، هذا البيت شهد في بدايته تسميه الحي ولان وجهته كانت قبليه اطلقوا علي الحي مسمي الحضره القبليه، وضع الفتي يده علي السور الخشبي المبتل دوما في الشتاء بفعل امطار الاسكندريه الغزيرة وفي الصيف بتسرب ماء صينيه القلل اليه ، وتسأل ويده منداه ، لما اطلق الحي اسم الجواهر علي هذا الشارع؟ والاسم في كنيته غريب اذا ان الشارع بطوله وعرضه لم يكن به محل مجوهرات واحد يوحد الواحد ،نوبه سرحان الفتي مضت سريعه جواب شاف حين رقب مايدور اسفل نظره في ذالك الشارع الممتد من حي محرم بك وينتهي بشارع عرفان القريب من حي سيدي جابر، كان الشارع الكبير يجبر الناظرين علي مراقبه مايدور به ،وبرغم ضيق عرض الشارع الا ان طوله كان يغفر له ضيق عرضه، ولايقلل من حيويته في شئ، نظر الفتي من اعلي وتحركت مقلتاه حركه دائريه لرصد اطول مدي منه ، كان الفتي يشعر بمتعه حقيقيه ، حين وجد كثير من العمال يصطفون في الصباح الباكر علي دكان عصائر ومشروبات "ابن الحته" لشرب عصير قصب وهم يتبادلون القفشات الغريبه التي تتسرب الي اذنيه عنوه فحديثهم كحديث الموهوب الي الاطرش تملؤها الصراخ ،وبجانب عصير القصب محل للفول والطعميه نصفه في البنايه المتهالكه القديمه والنصف الاخر احتل الرصيف امامه وانشئت فيه طاسه الطعميه انشاءا ، وقد وقف حوله
الناس بالقراطيس الورقيه ينتظرون ماتجود به الطاسه من فلافل سخنه يتعاركون عليها فتلهب ايديهم فينطلق صوت الكثير منهم بالصراخ واحيانا تدور بينهم معارك كلاميه ولكنها لاتستمر ثواني عندما يتدخل رجلا طيبا كبيرا في السن اثناء احتدام المعركه فيفصل بين القوات المتحاربه وَيُذكر كلا منهم ان الصبر علي مايخرج من الطاسه من فلافل ساخنه هو مفتاح الفرج والابتهاج ، يلي دكان الطعميه دكان قديم خال من البضاعه سوي من بعض القطع الحديديه وقطع من الكراكيب فشل الفتي في تشخيص جدوتها للمشتري ، وعلي الرصيف المقابل اخرج بائع العطاره اجوله العطاره فاحتل نصف الرصيف ولم يألوا الفتي جهدا اويثني رقبه لمتابعه جموع النساء البدينه والرفيعه والجميله والقبييحه والشلق والمؤدبه والطويله والقصيره الئ كن يختلفن طوال اليوم الي محل العطاره ، ساعتها تعجب الفتي من ان كل الزائرين من النساء ، وفي هذا اليوم رقب الفتي مشاده بين صاحب محل العطاره واحدي النساء بعدما اقسم لها بجميع الكتب السماويه ان ليس لديه بالداخل اي كميه من جوز الطيب يخبئها بالداخل، فتعقد ذات الملايه اللف وجهها وترفع حاجبيها المزججين بعنايه وتنصرف تتمتم بكلام غير مفهوم ، اكيد كانت تلعن به صاحب محل العطاره واللي جابه، وبعكس محل العطاره كان محل العلافه فأمامه يبدوا الرصيف نظيفا خاليا من المبتاعين وجلس عم محمود ينفخ في اللي وقلبه مثل حجر الشيشه المتقد من ضيق رزقه وقله الاقبال عليه ، وكل خمس دقائق ينظر الي يمينه ويصيح "ارزاق"، ويستدعي صبيه قائلا له:
روح يايله محل الشندويلي البقال هات لنا حته جبنه علشان نفطر ! الشيشه قطعت قلبي علي الريق ، يهرع الصبي من امام المعلم فيتابعه الفتي الي محل الشندويلي افخم بقال في شارع الجواهر ، كان الشارع يعج بجميع المهن والمحال التجاريه مأواها الدور الارضي من العمارات القديمه التي تصطف علي ذات اليمين وذات اليسار، وامام هذا الاصطفاف تمر حافلات الاسكندريه ذات اللون الازرق كل خمس دقائق حافله يتبعها تاكسي الاسكندريه بلونه الاصفر ، كان الفتي يشاهد الاحداث وكأنه تمر في فيلم متكامل الاركان ولكنه الان يعاينها علي الحقيقه فشغلته تلكم الفرجه عن احوال يده المبلله بماء السور ، وظل ممسكا بسور البلكون الخشبي العتيق حتي علت ضحكته فجأه فاضطر الي التواري والدخول لكي لا يلحظ الجار الذي امامه انه يسخر منه ، والحكايه ان اخينا الجار ظهر امامه فجأه في العقار المقابل القريب يرتدي تيشرت ماركه لاكوست ( التمساح) .
كانت جميع التيشرتات التي تنتجها الشركه الاجنبيه تضع تمساحا صغيرا علي الصدر لايتعدي عقله اصبع اليد الواحده ، فمن اين اتي الجار بهذا التمساح العملاق الذي وضعه مكان التمساح الصغير ليظهر للناس انه يواكب الحياه الحديثه بقوه رغم تواضع معيشته واحوال بيته ، يقف مبتسما سعيدا مستعرضا تمساحه ويُرهب به من حوله متصالحا مع نفسه لانه من ساكني شارع الجواهر ، خرج الفتي ثانيه الي البلكون عندما اختفي التمساح الذي اضحكه وارهبه بحسب اعتقاد صاحب التمساح المزيف.
قضي الفتي يومها معظم اليوم ينهل من روح الحياه والحركه قبل ان يعمد الي فرانده بيته بأحدي المدن الجديده والتي تطل علي حدائق غناء ولكنها جامده لاروح فيها ول

الكاتب علاء عبدالعزيز مقالات علاء عبدالعزيز شارع الجواهر الجارديان المصرية