الأحد 19 مايو 2024 10:59 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

فنون وثقافة

د.كمال يونس يكتب : القلادة

دكتور كمال يونس
دكتور كمال يونس

دلف إلى الساحة من بوابتها الواسعة،قلادته حول عنقه ، بريئا يمرح، يلعب، يلهو ، يغضب يفرح، يحلم بعفوية وبراءة ،حتى وصل إلى بوابة أخرى ،تفضى به إلى ساحة أضيق تكثر فيها لافتات ممنوع ،مرفوض،مسموح ،يحاول المرور بسلام خلالها ،لكنه يفقد مشاعره البريئة شيئا فشيئا، يقلق،يشعر الخوف ،الحذر ،التوجس،الريبة ،أفضت به إلى ساحة أضيق من سابقتها ، أشبه بحلبة مصارعة مع نفسه ،من حوله ،نفسه ،قلبه ،عقله ،بها مضمار للمنافسة والتسابق من يصل أولا،من يحصل على الجائزة التي تتنوع بحسب رؤية كل واحد،وتبقى غالبا رغبة مشتركة يطمع كل منهم أن ينالها ،إذن عليه أن يبحث عن وسيلة أيا كانت،كما يفعل الجميع ،بيد أن سرعات دخولها تتفاوت من شخص لآخر ،مابين الاندفاع ،الحيطة ،الحذر ،التهور ،الاندفاع ،الانقياد لبعض مرافقيه ،التقليد ، إذن فليدخل السوق بحثا عنها للوصول إلى غايته ،سوق عجيب يتسع ،يضيق،يتعرج ،مستو،به حفر ومطبات،تحير في ماهيته،المعروض شديد التنوع والتباين،سوق غريب مطلق بلا حدود للأماني والأحلام والرغبات، عليه أن يختار بنفسه من بين تلك الحوانيت الجذابة التي تنبعث منها طاقة غريبة تغري بدخولها ، لدرجة أنها تستحوذ على تفكيره ،لكأنما تهمس ،توسوس في أذنه ،متعجبا من أولئك الذين يسيرون في طريقهم غير مهتمين لأمرها ،وآخرون يخرجون منها باكين بعد أن مكثوا بها لبعض الوقت ،يلتمسون طريقا لايمر بتلك الحوانيت ، صمم أن يستكشفها ،لم يقف طويلا ولم يلق بألا للآخرين،ما إن دخلها أدرك أن أبوابها المتفرقة المتعددة تؤدي إلى نفس القاعة الكبرى، فيها أصنام متعددة ،مابين مرئية ،ومابين تخيلية ،فيها لهو ،متاع،مال، سلطان ،نعيم،لامحاذير ،لاممنوعات ، انتشى ،غرق في بحور من اللهو ، اتهم أولئك الباكين الذين رآهم يخرجون منها بالخبل والحمق والجنون ، ويسخر من أولئك الذين يحاولون الخروج منها ،لكن الزحام يعرقل حركتهم ، في حين يتعقبهم رفاقهم يقدمون لهم كل أنواع المغريات ، ينشادونهم أن يبقوا ، يثبتوا ، بعضهم ثابت يمضي في طريقه يلتمس بوابة الخروج ،والآخرون يضعفون أمام المغريات ليعودوا إلى وسط القاعة مرة أخرى،غرق في بحور المتعة واللذة والشهوات ، لم يبال أن القاعة تضيق شيئا فشيئا، ولا بآلام الجلد بالسياط من حراس القاعة ،لكن القلادة تضيق على عنقه شيئا فشيئا ، حاول أن يوسعها أو ينتزعها لم يقدر ،أقلقته ،تضيق أكثر فأكثر ،بحث عن باب الخروج ،لحقه رفاقه يغرونه بالبقاء ، يختنق ،يحاول أن ينزع القلادة ،تعرقله ضربات السياط ،لكن صمم على الخروج سقط على الأرض ،زحف للخروج من أحد بوابات الحوانيت ،أخيرا ،أفلح ،باكيا ،بحث عن أولئك الذين يسيرون في طريقهم غير مهتمين لأمرها ،باكيا لحقهم ،يتحسس القلادة .

830804996331.jpg