الأحد 15 مارس 2026 03:47 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

محمد خليفة ... يكتب : التخطيط الفاسد في الخليج … من مهد الطريق لحرب إيران؟

الباحث والكاتب الكبير محمد خليفة
الباحث والكاتب الكبير محمد خليفة

لم تأت الحرب الدائرة اليوم بين إيران وبعض دول الخليج من فراغ ولم تكن لحظة مفاجئة سقطت على المنطقة كصاعقة في ليلة هادئة بل هي نتيجة سنوات طويلة من السياسات المرتبكة والتخطيط القصير النظر الذي تجاهل حقيقة بسيطة أن إشعال النار في محيطك لن يحرق خصمك وحده بل سيمتد ليلتهم كل ما حوله ما نراه اليوم ليس مجرد مواجهة عسكرية بين أطراف متنازعة بل هو نتيجة تراكم أخطاء سياسية واستراتيجية جعلت المنطقة بأكملها تقف على حافة انفجار كان يمكن تجنبه لو أن صوت العقل سبق صوت التحالفات العابرة.
الشرق الأوسط لم يكن يوما منطقة بعيدة عن الصراعات لكن الفارق بين الصراع المدروس والصراع الناتج عن التخبط هو الفارق بين دولة تبني أمنها بوعي ودول تندفع نحو معارك لا تملك السيطرة على نهاياتها فبدلا من أن تتجه بعض دول الخليج إلى بناء منظومة إقليمية قائمة على التوازن والحوار مع القوى المحيطة بها اختارت طريقا آخر يقوم على استدعاء القوى الكبرى لتكون طرفا أساسيا في معادلة الأمن في المنطقة وعلى رأسها الولايات المتحدة التي لم تكن يوما وسيطا محايدا بقدر ما كانت لاعبا يبحث عن مصالحه قبل أي شيء آخر.
لقد تحولت المنطقة خلال السنوات الماضية إلى ساحة مفتوحة لسباق التسلح وصفقات السلاح الضخمة وكأن الأمن يمكن شراؤه بالأرقام الفلكية للعقود العسكرية بينما الحقيقة أن الأمن الحقيقي لا يبنى فقط بالصواريخ والطائرات بل بالرؤية السياسية التي تدرك طبيعة الجغرافيا التي تعيش فيها إيران ليست دولة بعيدة جغرافيا يمكن تجاهلها بل هي جزء من المعادلة الإقليمية مهما اختلفت معها السياسات والمواقف لذلك فإن تحويل الخلاف السياسي إلى مسار تصادمي دائم لم يكن سوى خطوة إضافية نحو اللحظة التي نعيشها اليوم.
ما يحدث الآن يكشف بوضوح أن أخطر ما واجه المنطقة لم يكن قوة إيران ولا طموحاتها الإقليمية فقط بل غياب التخطيط الحقيقي لدى أطراف كان يفترض بها أن تدرك أن المنطقة لا تحتمل حروبا جديدة فكل تجربة حرب في الشرق الأوسط خلال العقود الماضية انتهت بالنتيجة نفسها دول منهكة اقتصادات متراجعة وشعوب تدفع ثمن صراعات لم تكن طرفا في صنعها.
إن الحرب حين تندلع في هذه المنطقة لا تبقى محصورة داخل حدود دول معينه بل تتحول سريعا إلى أزمة إقليمية ودولية لأن الشرق الأوسط ليس مجرد جغرافيا عادية بل هو قلب طرق الطاقة والتجارة العالمية أي اشتعال في الخليج يعني ارتباكا في أسواق النفط واضطرابا في حركة التجارة العالمية وتوترا سياسيا يمتد إلى ما هو أبعد من حدود المنطقة نفسها ولذلك فإن الذين ظنوا أن الصراع يمكن احتوئة أو التحكم في مساره ربما اكتشفوا الآن أن الحروب في الشرق الأوسط لا تسير وفق الخطط المرسومة على الورق.
لكن السؤال الأهم الذي يجب أن يطرح اليوم ليس فقط كيف بدأت هذه الحرب بل من الذي مهد الطريق إليها فمن السهل دائما إلقاء اللوم على الخصوم لكن الأصعب هو الاعتراف بأن السياسات الخاطئة والتحالفات غير المدروسة قد تكون لعبت دورا أساسيا في دفع المنطقة نحو هذه المواجهة عندما يصبح القرار الأمني لحسابات خارجية وعندما تتحول الخلافات السياسية إلى حالة استقطاب دائم فإن الطريق إلى الحرب يصبح أقصر مما يتخيله الكثيرون.
لقد اعتادت القوى الكبرى عبر التاريخ أن تدير صراعات المناطق الأخرى بما يخدم مصالحها وهذه ليست نظرية مؤامرة بقدر ما هي حقيقة تؤكدها التجارب التاريخية فالدول الكبرى لا تخوض معاركها عادة على أراضيها بل تفضل أن تبقى بعيدة بينما تتحول مناطق أخرى إلى ساحات للصراع وفي كل مرة يحدث ذلك تكون النتيجة واحدة نفوذ أكبر للقوى الخارجية واستنزاف مستمر لقوى المنطقة نفسها.
من المؤسف أن العالم الإسلامي الذي يمتلك من الموارد البشرية والاقتصادية ما يؤهله ليكون قوة مؤثرة عالميا ما زال عاجزا عن بناء منظومة تعاون حقيقية قادرة على احتواء الخلافات قبل أن تتحول إلى صراعات مفتوحة فبدلا من أن يكون الاختلاف السياسي مدخلا للحوار والتوازن يتحول غالبا إلى صراع يعتقد فيه كل طرف أن انتصار الآخر يعني هزيمته هو.
التاريخ يعلمنا أن الحروب قد تبدأ بقرار سياسي لكنها لا تنتهي بسهولة فالشرارة الأولى قد تكون محسوبة لكن النيران التي تليها غالبا ما تتجاوز كل الحسابات وهذا ما يجعل السؤال المطروح اليوم أكثر إلحاحا من أي وقت مضى هل كان يمكن تجنب هذه الحرب لو وجد تخطيط مختلف أو رؤية أكثر اتزانا في إدارة الصراع مع إيران
ربما لا يغير هذا السؤال ما يحدث الآن على الأرض لكنه يظل ضروريا لفهم الدرس الأكبر الذي يجب أن تتعلمه المنطقة فالأمم لا تنهض فقط عندما تنتصر في الحروب بل عندما تتعلم كيف تتجنبها من الأساس وإذا كان ما نشهده اليوم نتيجة تخطيط فاسد أو حسابات قصيرة النظر فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تستمر المنطقة في تكرار الأخطاء نفسها وكأن التاريخ لا يقدم لنا دروسا كافية.
وفي النهاية تبقى الحقيقة الأوضح أن الحرب قد تكون بدأت بالفعل لكن الطريق الذي أوصل إليها كان طويلا ومليئا بالقرارات التي لم تبن على رؤية استراتيجية تخدم استقرار المنطقة بقدر ما خضعت لحسابات اللحظة السياسية ولهذا فإن السؤال الذي يجب أن يبقى حاضرا في أذهان الجميع ليس فقط كيف تنتهي هذه الحرب بل كيف يمكن منع الحرب التالية قبل أن يبدأ العد التنازلي لها.

# محمد خليفة ... مستشار التطـــوير المؤسسي وإدارة المخاطر

محمد خليفة التخطيط الفاسد في الخليج … من مهد الطريق لحرب إيران؟ الجارديان المصرية