السبت 25 مايو 2024 01:58 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

الكاتب الصحفي إسماعيل أبو الهيثم يكتب : الفارس والصعلوك !!

الكاتب الصحفي إسماعيل أبو الهيثم
الكاتب الصحفي إسماعيل أبو الهيثم

يتميز الصعلوك في المخيال العربي بأنه شخص يريد أن يعيش وأن يثبت ذاته بالقوة والعنف ويحصل على ما يريد بالغارة والنهب، وهو يعتبر نفسه في سبيل الحصول على مبتغاه بحل من أي قانون، لأنه يتحرك بناءا على نزواته وطيشه حيث تتحكم فيه العواطف وتحكمه الأهواء إلى أبعد الحدود.
وليس للصعلوك الذي لا قلب له ولا عقل لديه صديق أو قريب ، فالكل يجوز له في قانونه الخاص أن يستهدفهم أو يصنفهم ويجعلهم أعداءا إذا حالوا بينه وبين ما يريد ، أو قرروا أن يمنعوه أشياءهم حين يريدها، وبالتالي فإن حياة الصعلوك بأكملها هي مسلسل من صناعة الأعداء.

أما الفارس فرغم انه يستمد لقبه من القدرة على حمل السلاح ومقارعة الأعداء ، فإنه يظل محكوما إلى أقصى حد بقيم البطولة ومعايير الشرف التي تجعله يلزم نفسه بان يظل مسيرا بالقواعد في أدق تفاصيل حياته.. فهو يحب بقانون ويعادي بقانون، ويحارب بقانون ، وهو لا يلقي الكلام على عواهنه أو يتعمد ويتلذذ بالإساءة اللفظية والفعلية للآخرين ـ كما يفعل الصعلوك ـ حيث يظل كلامه وحتى تبسمه بميزان لأن أفعاله وسلوكه صادران عن تمعن وترو .

وهكذا يرفض الفارس ـ عكس الصعلوك ـ الغدر أو المخاتلة لتحصيل فوز رخيص، كما يأنف عن مواجهة عدوه أعزلا ولو بعد أن سقط سلاحه في ساحة المواجهة وفي لحظة نزال شرس وأصبح تحت رحمته ..فالحياة عند الفارس قانون والمواجهة بالنسبة إليه مواجهة ، أهم ما فيها قوانينها، كما يظل يرفض أن يفر آو يجبن مثل الصعلوك للنجاة بروحه حيث أن إحترام قوانين المواجهة المرادفة للشرف والاستقامة أهم لديه من روحه !!
ويبدو أن صفات الصعلوك والفارس هذه تنطبق إلى حد كبير على ما يدار علي مسرح العمليات في غزة .
قولوا لي بالله عليكم ألست محقا في إلصاق هذا الوصف علي مايدور علي أرض فلسطين بين عدو صعلوك غاشم ومحتل ظالم ، وبين صاحب حق أعزل وصامد مدافع عن الأرض والعرض ، أليس القصف العشوائيِّ المتواصل من قبل جيش الإحتلال الصهيوني لمظاهر الحياة في غزة صعلجة وصلت إلي حد محو بعض تلك المظاهر من مباني وأشجار وبشر ؟ ، هل من حقي وصف ما يحدث بأحسن تعبير وألطف توصيف بأنه فعل صعلوكي لا يمت بصلة ولو ضئيلة إلي آداب الحروب الإنسانية وليست الإسلامية؟!.
إن الهمجية والتوحش في الحروب من سمات الصعاليك الذين يريدون محو عدوهم من الوجود ، وليس رده إلي الحق
_ إن كان للحق عندهم اي تقدير ولو قيد أنملة!!

إن ما يقع علي أرض غزة ليس حرباً ، وإنما نموذجاً وتجسيدا لأعمال الصعاليك في أوضح صوره . هي بحق واحدة من أبشع المجازر التي تجسد حالة مقززة من تطرف الصعاليك مع خصومهم .
كنت أفهم بأن أفعال وتصرفات الصعاليك هي الحصول علي مايردون بالقوة والعنف دون رادع من دين ، ولا مانع من قيم ، لكن أن يصل طيشهم إلي حد تدمير دور العبادة والعيادة وحضانات الأطفال وعشش العصافير ، فهو إذا قد وصل إلي حالة من التطرف الصعلوكي يصعب معه وصفهم بأنهم بشر ، بل كائنات لا تمت بصلة لبني البشر ، حتي الغلاة منهم والظالمين .

في حين أن الفارس ملتزم بأخلاقيات الحرب والمتمثلة في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن وصاياه في الحروب أنه قال: (ولا تحرقوا النخل، ولا تغرقوه بالماء، ولا تقطعوا شجرة مثمرة، ولا تحرقوا زرعاً)، وفي بعض الروايات قال: (ولا تهدموا داراً). وهذه الروايات وأمثالها تشعر بأن الهدف من الحرب هو قتال المقاتلين فقط، وليس من أهداف الحرب تخريب ممتلكات الخصوم، كما تضمنت التوجيهات النهي عن الغدر والمثلة: قال - صلَّى الله عليْه وسلَّم -: (اغزوا، ولا تَغُلُّوا، ولا تغدروا، ولا تمثِّلوا، ولا تقتلوا وليدًا) فضلا عن النهي عن التدمير والتخريب من غير حاجة ، ويدلُّ علي ذلك وصيَّة أبي بكر - رضي الله عنه - ليزيدَ بن أبي سفيان لمَّا بعثه إلى الشَّام، ومنها: "وإنَّكم ستجِدون أقوامًا قد حبسوا أنفُسَهم في هذه الصَّوامع، فاتْركوهم وما حَبسوا له أنفُسَهم، ولا تقْتلوا كبيرًا هرمًا ولا امرأة، ولا وليدًا، ولا تخربوا عمرانًا، ولا تقْطعوا شجرة إلاَّ لنفع، ولا تَعقِرُنَّ بهيمة إلاَّ لنفع، ولا تَحرِقُنَّ نخلاً ولا تُغرِقُنَّه، ولا تغدرْ، ولا تمثِّل، ولا تجبنْ، ولا تغلُل".
وفي نفس السياق جاء الأمر بتفضيل السلم وعقد الصلح مع العدو إذا طلب الأعداء السلم والتزموا بموجباته وهم في بلادِهم، فعلى المسلمين أن يستجيبوا لهم، فيُوقفوا الحرْب تلبيةً لرغْبتهم السِّلْمية؛ امتثالاً لقوله تعالى: ﴿ وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ﴾ [الأنفال: ٦١].

إن مجرد التفكير في التهجير القسري لأهل غزة هو تغكير صعلوكي يتسم بالعشوائية والوحشية ، لأنه لا يستند لمنطق ، ولا يرضاه رجل ، لأن أغلى ما يملكه الإنسان بعد دينه هو وطنه، وما من إنسانٍ إلّا ويعتزّ بوطنه ويفخر به، لأنّه مهد صباه وطفولته، وملجأ كهولته ومنبع ذكرياته، وموطن آبائه وأجداده، ولذا فإنّ محبّة الوطن تقتضي التّعلّق به والمحافظة عليه من كلّ أذى والدّفاع عنه ضدّ المعتدين.

والوطن هو تماماً كالأمّ الحنون الّتي تحتضن أطفالها وتمنحهم الشعور بالأمان والسّكينة، ومهما سافر الإنسان ومهما دار في بلدانٍ العالم، فلن يجد أحنّ من حضن وطنه ولا أدفأ منه، قال تعالى : { وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ} [النّساء: ٦٦ ] .

إنّ للوطن في الإسلام شأناً عظيماً، والتّفريط في حقّه خطر جسيمٌ.، وليعلم الصعاليك أن المواطن الفلسطيني لا يرضي بغير وطنه بديلاً مهما عظمت مبانيه وتضخمت ثرواته ، وهذا ليس بدعاً في الدّين، فعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِمَكَّةَ: (مَا أَطْيَبَكِ مِنْ بَلَدٍ، وَأَحَبَّكِ إِلَيَّ، وَلَوْلَا أَنَّ قَوْمِي أَخْرَجُونِي مِنْكِ مَا سَكَنْتُ غَيْرَكِ).
ويتجلّى هذا الحبّ منه صلى الله عليه وسلم حين جلس إلى ورقة بن نوفل، إبن عمّ السّيّدة خديجة رضي الله عنها، ولم يلتفت صلى الله عليه وسلم كثيراً إلى ما أخبره به ممّا سيتعرّض له في دعوته من محنٍ ومصاعب من قومه، حتى قال له ورقة: "لَيْتَنِي أَكُونُ حَيًّا إِذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ"، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ)؟، فبمجرد ذكر الإخراج ، خرج التساؤل من الرسول العظيم ، (أَوَمُخْرِجِيَّ هُمْ) ؟ . باعتبار أن الإخراج من الأرض أعظم من جل المحن والمصاعب التي ستواجهه صلي الله عليه وسلم!! ولما تحقق ذلك توجه الرسول صلى الله عليه وسلم إلي الله داعياً : «اللَّهُمَّ الْعَنْ شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ كَمَا أَخْرَجُونَا مِنْ أَرْضِنَا» واللعن: الطرد من الرحمة والإبعاد، أي: أخرجهم من رحمتك كما أخرجونا من أرضنا.
وهذا المعني ليس بغائب عن كل الشعب الفلسطيني الذي يعد عدم التفريط في الأرض أو قبول بديلا لها هو النصر الحقيقي مهما عظمت التضحيات وعلت الخسائر ، باعتبار
أنّ حبّ الوطن غريزةٌ إنسانيّةٌ لا تعادلها إلّا غريزة حبّ الحياة ، وكأنّ الوطن يساوي الحياة بالنّسبة للإنسان، وليس بخافي عنهم المراد من قول الحق {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ} [البقرة: ٨٤].فقد ساوي لله تعالى الإخراج من الوطن بقتل النّفس .
فاللهم عليك بمن يحاولوا إخراج أهلنا من ديارهم ومساجدهم وأذوهم في أجسامهم وأموالهم وأولادهم .
ننتظر اللهم فتوحات السماء وبركات الأرض وجنودك التي لا يعلمها إلا أنت، والهمهم اللهم الأخذ بالأسباب والجد والاجتهاد والصبر والصمود، وارزقهم اللهم الثقة في فرجك ، ونحن علي ثقة بأنه قريب ، تحقيقاً اقولك: {وَيَقُولُونَ مَتَى هُوَ قُلْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا} [الإسراء من الآية:٥١]، {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف:٢١].