الخميس 1 يناير 2026 07:16 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

السيناريست عماد النشار يكتب : «للقطط نصيب معلوم» رؤية درامية عن رواية طلال سيف

السيناريست عماد النشار
السيناريست عماد النشار

حين يفتح صندوق صغير بابًا على قرنٍ كامل من الصراع.
تبدأ رواية «للقطط نصيب معلوم» للروائي طلال سيف من لحظة تبدو عادية، لكنها مشحونة منذ السطر الأول بإحساس النهاية:
طريق ريفي ساكن، بيت طيني قديم، وأم وابن يعودان لا ليستقرا، بل ليشهدا الهدم.
البيت سيسقط، والميراث سيوزّع، والجدران التي احتفظت بالأسرار لسنوات طويلة ستتحول إلى تراب.
منذ هذا المشهد الافتتاحي، تضع الرواية قارئها أمام عالم يتداعى، لا بوصفه مكانًا فحسب، بل بوصفه ذاكرة كاملة توشك أن تُمحى. فالبيت هنا ليس بناءً، بل سجلًا صامتًا لحياة عائلة، ولصراع لم ينتهِ بعد.
سرد على خطّين: حاضر ينهار وماضٍ يرفض الصمت
تعتمد الرواية بناءً سرديًا مزدوجًا واضح المعالم، يقوم على خطّين متوازيين يسيران جنبًا إلى جنب، دون أن يلتقيا مباشرة، لكن ظلال كلٍّ منهما تتسلل إلى الآخر باستمرار.
خطّ أول معاصر، متعب، مثقل بالفقد والأسئلة.
وخطّ ثانٍ يعود إلى عام 1938، محمّل بصراعات قديمة لم تُحسم.
الحاضر لا يُقدَّم بوصفه زمنًا مكتملًا، بل بوصفه نتيجة.
والماضي لا يظهر كذكرى، بل كقوة فاعلة لا تزال تعيد تشكيل الواقع.
للقطط نصيب معلوم :دراما إنسانية / اجتماعية – تاريخية
زمنان متوازيان (الحاضر – 1938)

المشهد الافتتاحي

خارجي. طريق ريفي – نهار باهت
لقطة عامة طويلة (Long Shot).
طريق ترابي ريفي، ساكن على نحو غير طبيعي. لا سيارات، لا بشر.
الهواء ثقيل، كأنه محمّل بغبار الذاكرة.
من عمق الكادر، تظهر سيارة قديمة تتحرك ببطء.
داخلها أم خمسينية مريضة وابنها الشاب.
لا موسيقى.
فقط صوت المحرك، وأنفاس الأم المتقطعة.
الكاميرا لا تقترب كثيرًا.
كأنها تراقب عودة لا تحمل وعدًا، بل نهاية.

المشهد الثاني
خارجي. بيت طيني قديم – نهار
السيارة تتوقف.
البيت الطيني يظهر كاملًا في كادر ثابت:
جدران متشققة، باب خشبي متآكل، نوافذ نصف مغمضة.
الأم تنظر إلى البيت طويلًا.
نظرة لا تحمل حنينًا بقدر ما تحمل معرفة مسبقة بما سيحدث.
الابن ينزل أولًا، يفتح لها الباب.
خطواتهما بطيئة، ثقيلة.
هذا البيت لن يُسكن.
هذا البيت سيُهدم.

المشهد الثالث
داخلي. البيت – نهار
الضوء يدخل من الشقوق.
الغبار يطفو في الهواء.
الكاميرا تتجول ببطء:
جدار عليه آثار تعليق قديم
زاوية كانت مطبخًا
أرضية طينية حفظت آلاف الخطوات
الأصوات تبدأ بالتداخل: ضحكات نساء، همسات، صوت طحن حبوب…
أصوات غير مرئية، كأن البيت يتذكر وحده.
الأم تجلس. تتعب سريعًا.
الابن يظل واقفًا.
هو غريب في بيت يفترض أنه بيته.

المشهد الرابع
خارجي. البيت – لاحقًا
يصل رجال الهدم.
أصوات حديد، معاول، أحاديث عابرة.
البيت يُحاط، كأنه محكوم عليه.
الابن يطلب لحظة.
ينزل إلى البدروم.

المشهد الخامس (التحوّل)
داخلي. البدروم – شبه ظلام
سلم ضيق.
الضوء يتلاشى كلما نزل.
في الزاوية:
صندوق صغير من عرائس طينية.
الابن يفتحه.
داخل الصندوق: لفافة أوراق صفراء، متآكلة الأطراف.
يقلب الصفحة الأولى.
لقطة قريبة جدًا (Extreme Close-Up):
العنوان بخط يدوي قديم:
«للقطط نصيب معلوم
مصطفى بن أحمد بن سليمان
1938»
الصوت الخارجي للهدم يتوقف فجأة.
CUT TO SILENCE.

خط الحاضر: الحفيد
المشهد السادس
داخلي. غرفة الحفيد – ليل
غرفة ضيقة في المدينة.
كتب، أوراق، فوضى باحث فقير.
الابن (الآن نعرف أنه باحث دكتوراه) يقرأ الأوراق.
صوت الجد يبدأ كـ Voice Over.
«أنا مصطفى… صياد… من أولاد سليمان…»
الكاميرا تقترب من وجه الحفيد.
نرى الانجذاب، الدهشة، الانغماس.

المشهد السابع
داخلي. مستشفى – نهار
الأم على سرير أبيض.
أجهزة بسيطة.
ملامحها مستسلمة.
الحفيد يجلس بجوارها، الأوراق في يده.
يحاول أن يكون قويًا.
المرض هنا ليس تفصيلًا،
بل عبء يومي، يضغط على الحاضر كما يضغط الماضي.

المشهد الثامن
داخلي. جامعة – نهار
قاعة محاضرات.
الحفيد يعرض فكرته البحثية: أثر الحيوان في تشكيل الوجدان الشعبي.
الأساتذة يستمعون ببرود أكاديمي.
لا أحد يعرف أن الموضوع ليس بحثًا فقط…
بل حياة كاملة.

خط الماضي: 1938 – الجد مصطفى
المشهد التاسع
خارجي. قرية – نهار – 1938
انتقال بصري ناعم.
الألوان تصبح أدفأ، لكنها أثقل.
القرية:
بيوت طينية واسعة، سرايا، نفوذ اجتماعي.
مصطفى يظهر شابًا.
ملابسه بسيطة.
شبكة صيد على كتفه.

المشهد العاشر
خارجي. النهر – فجر
مصطفى يصطاد.
حركاته هادئة، دقيقة، محترمة للماء.
القطط تظهر على الضفة.
تجلس في صف شبه منتظم.
مصطفى يخرج السمك.
يضعه على الأرض.
ينظر إليهم ويقول بهدوء: «أنت»
كل قطة تأخذ نصيبها.
لا شجار. لا استعجال.

المشهد الحادي عشر
داخلي. سرايا أولاد سليمان – نهار
مجلس فخم.
رجال بملابس نظيفة، كلمات ناعمة.
مصطفى يجلس في الطرف.
أحد أبناء العم: – “اسم العيله مايليقش بيه صياد.”
آخر: – “وجودك بيشوّه صورتنا ويقلّ بينا .”
يُطلب منه:
ترك البيت
تغيير المهنة
الاختفاء بهدوء
مصطفى يستمع.
لا يرفع صوته.
يرد بجملة واحدة: «ده رزقي من الدنيا وأنا راضي بيه … وده بيتيي اللي بنيته طوبه طوبه بعرقي وشقايا .»

المشهد الثاني عشر
خارجي. بيت مصطفى – ليل
القطط تنتظره.
يخرج بالطعام.
الإضاءة خافتة، دافئة.
القطط تأكل بانتظام.
Voice Over:
«القطط عارفه نصيبها… وعمرها ماتطمع ولا تاخد اكتر من المقسوم لها .»

التوازي الزمني
المشهد الثالث عشر
MONTAGE متوازٍ
حفيد يقرأ في غرفة ضيقة
جد يكتب على أوراق صفراء
بيت يُهدم في الحاضر
بيت يُهدَّد في الماضي
أم مريضة
رجل فقير يُحاصر
الموسيقى ترتفع ببطء، حزينة، غير مباشرة.

الذروة
المشهد الرابع عشر
داخلي. السرايا – نهار – 1938
محاولة أخيرة لإذلال مصطفى.
عرض مال مقابل التنازل.
مصطفى يرفض.
يقف.
ينظر في العيون.
لا خطاب.
فقط صمت ثقيل.
يخرج.

المشهد الخامس عشر
داخلي. غرفة الحفيد – فجر
الحفيد ينتهي من قراءة آخر ورقة.
يدرك: هذا ليس تاريخًا.
هذا ميراث.
يبكي بصمت.

المشهد الختامي
خارجي. موقع البيت – نهار
البيت صار ركامًا.
الحفيد يقف وحده.
قط يمر من أمامه.
يتوقف.
ينظر إليه.
الحفيد يضع قطعة طعام على الأرض.
القط يأكل… ثم ينسحب.
الكاميرا ترتفع ببطء.
Voice Over – صوت الجد:
«للقطط نصيب معلوم…اللي فهمته القطط ، بيرفضه البشر !»
FADE OUT.

في جوهرها، ليست «للقطط نصيب معلوم» رواية عن القطط، ولا عن الفقر وحده، بل عن ميراث غير مرئي:
ميراث القهر، والانكسار، والكرامة المؤجلة.
الحفيد، وهو يقرأ أوراق الجد، لا يكتشف ماضي العائلة فقط، بل يكتشف موقعه داخل هذا الامتداد الطويل من الخسارات.
وما يظنه بحثًا أكاديميًا، يتكشف بوصفه مواجهة شخصية مع تاريخ لم يختره، لكنه ورثه.
خاتمة
بهذه اللغة الهادئة، والصورة المشبعة بالتفاصيل، وبإيقاع سردي لا يستعجل الذروة ،ينجح الروائي طلال سيف في تقديم عمل إنساني عميق، لا يصرخ، ولا يدّعي، بل يضع القارئ أمام مرآة صادقة.
رواية عن عائلة كبيرة تتآكل من الداخل،
وعن رجل فقير يرفض أن يكون تابعًا،
وعن حفيد يحاول أن يفهم نفسه عبر أوراق كُتبت قبل ولادته بعقود طويلة.
وفي عالم يختل فيه ميزان البشر، تذكّرنا الرواية، ببساطة موجعة، أن العدل ليس فكرة معقّدة…
وأن لكل كائن، فعلًا، نصيبًا معلومًا.

في قلب هذه الرواية، تصرخ الأسرار وتتنفس الشخصيات، وخط الزمن لا يتوقف عن مفاجأة القارئ، فتظل الإثارة متواصلة حتى الصفحة الأخيرة.

السيناريست عماد النشار «للقطط نصيب معلوم» رؤية درامية عن رواية طلال سيف الجارديان المصرية