عصام بيومي يكتب : الحرب على الأديان أم كل الحروب
على غرار مقولة "إذا أردت معرفة الحق فاتبع سهام العدو"، أقول: إذا أردت معرفة الباطل فاتبع مديح العدو.
وبناء عليه يمكن القول إن أغلب من تم مدحهم في مدونات التاريخ المتاحة الآن والتي كتبها العدو (المنتصر)، إما لم يستحقوا ذاك المديح، وإنما جرى تمجيدهم للإضرار بنا وبأمتنا ووعيها، أو أنهم كانوا– بصورة مباشرة أو غير مباشرة – منخرطين في صفوف العدو، أو على الأقل قابلين للتوظيف في مشروعه. ولا يعني ذلك أن كل ممدوح عميل بالضرورة، وإنما أن المديح نفسه فعل سياسي، وأن المنتصر لا يوزّعه عبثًا.
وكنت أشرت سابقا إلى أن أغلب ما لدينا من تصنيفات فكرية لمفكرين أو لمن يسمون فلاسفة في مراحل التاريخ السابقة، وضع كثير منها، في العصور الحديثة، بما في ذلك أقوالهم ونظرياتهم، التي أعيدت صياغة وتوجيه أكثرها. ضربت سابقا مثالا بأعمال ماكيافيللي، وغيره كثير. أعني أن أعداء الإنسانية مجدوا من شاؤا وشوهوا وأطفأوا من شاؤا، منذ أن سيطروا على حركة الفكر والعلم والحرب في العالم، حيث راحوا يؤلفون الأقوال والنظريات وينسبونها زورا وكذبا لمن يخدم اسمُه أغراضَهم. فالمنتصر لا يفرض سلطته بالسيف وحده، بل يعيد ترتيب الذاكرة، ويعيد تسمية الأفكار، ويمنح الشرعية لمن يخدم مشروعه، ولو بأثر رجعي.
مثلا: ابن رشد (520-595هـ)، احتفى به "الغرب" أيما احتفاء واعتبره الفيلسوف الذي منح الفلسفة بريقها وأهميتها المدعاة بشروحه لما تسمى فلسفة أرسطو. وزاد أنه بلور فكرة "الحقيقة الفلسفية" مقابل "الحقيقة الدينية"، ورسخ فكرة وضع العقل في حرب مع الدين،،، الدين الذي تم تصويره، بما في ذلك الإسلام، على أنه عائق للتقدم.. بعض الباحثين يرى أن ابن رشد لم يقصد ذلك تماما، لكن ما حدث هو أن الغرب، الذي حرَّم "الرُشدية" لاحقا، استغل أفكاره بداية ليحارب بها الدين كله، ويقلص مكانة الكنيسة ودور الوحي الذي ظل يتراجع بلا توقف وللآن. ثم تخلى عن أفكاره تلك لاحقا.
ابن خلدون، (732- 808هـ) في أطروحته التي ختمت بها مقالي السابق مثال آخر لا يلتفت إليه كثيرون، مع الإقرار بأنه يُستدعى عادة بوصفه رائد "العقلانية التاريخية" أو حتى "أبا الفلسفة الحديثة" ومؤسس علم الاجتماع. فمقدمة ابن خلدون الشهيرة، مثلا، مليئة بالانتقاص من العرب، أو بعض فئاتهم، لكن هذا موضع آخر. لذلك نبقى مع نظريته بأن "الدين غطاء للحروب"، التي باتت محل جدل بحكم التاريخ. فهو على أحسن الفروض لم يكمل فكرته. وربما لو أكمل شرحه لوصل إلى الفكرة البديهية وهي أن الدين أو الحرب على الدين، هي أم الحروب، وهي المحرك الوحيد الحقيقي لكل الصراعات والحروب التي شهدتها البشرية والتي ستأتي لا محالة.
لن أقول إن ابن خلدون أخطأ في تقديره، وهو من أوائل من قدّموا قراءة واقعية للحرب، لكن رأيه أن "الدين كثيرًا ما يُستعمل غطاءً لصراعات تحركها العصبية والطمع في الملك"، على أهميته، لا يستوعب التاريخ كله، ويظل مفتوحًا للنقاش. فالدين في نظر ابن خلدون شرعنة لا دافع.. فهو يرى أن العصبية هي القوة المحرّكة للتاريخ، وأن الدول لا تقوم إلا بها. ويأتي الدين، بحسب تحليله، ليمنح تلك العصبية شرعية أخلاقية وقداسة رمزية، فيعزز قدرتها على الحشد والتعبئة. وبهذا المعنى، لا يكون الدين محرك الحرب، ولكن أداة لها.
والرد على ذلك ببساطة أن تكرار أمر ما لا يعني قطعا أنه هو المحرك للتاريخ. وهذا من التعميمات المرفوضة في العلوم الاجتماعية والسياسية. وقد أثبتت التطورات قصور تلك النظرية عن احتواء كل أشكال العصبية عبر التاريخ وخاصة في العصر الحديث.
فالحرب، بمنظوره، لا تندلع لأن الناس اختلفوا عقديًا، بل لأن جماعة تسعى إلى الغلبة، تحت راية الدين. لكن المتعمق في الأسباب سيجد أن هدم الدين كله ومحوه خط واحد من البداية وإلى النهاية يسلكه أعداء الإنسانية لتحقيق أغراضهم في "صناعة الكفر". وهذه في أصلها حرب دينية بلا أي شك. والتاريخ مليء بحروب خاضها المحاربون ليس لمكاسب سياسية واستمروا فيها رغم الخسائر والهزائم. بل ضحّوا فيها بحياتهم دون انتظار دولة أو سلطة. وأبرز أمثلتها الحية هي حرب غزة النازفة.
في مثل هذه الحالات، لا يمكن القول إن الدين مجرد غطاء أو أداة، بل هو المحرك نفسه. وهنا يجب الإنتباه إلى أن الحروب الحديثة، التي ترفع شعارات علمانية أو إنسانية، لم تخرج عن هذا الإطار. فكل الصراعات التي ترفع شعارات المصالح والسيطرة، والقيم، مثلا، هي في حقيقتها حرب على الدين لاستبدال مقدّس حقيقي بمقدّس وهمي وعقيدة سماوية بعقيدة وضعية، ونظام صالح حدده الوحي الإلهي بآخر شيطاني هو ذاك المسمى "النظام العالمي الجديد"، الذي يريد أن يحل عقيدة الكفر محل الأديان، فالكفر عقيدة مثلما الإيمان عقيدة، أو هو نقيض العقيدة.
وحين يُقصى الدين الحقيقي، لا تختفي الحاجة إلى الإيمان، بل تحل محله عقيدة أخرى أو دين جديد تحت أي مسمى: أيديولوجيات، إنسانيات، أو “قيم عليا"، يُزعَم الدفاع عنها، وتحت مظلتها الكاذبة تقوم الحكومة العالمية وتفرض الرقمنة في كل شيء، حتى يتحول العالم كله إلى وهم رقمي كبير، يتحكم فيه، تحكما شبه إلهي مقصود مَنْ يملكون مفاتيح الأرقام وأكوادها، واستخداماتها. وقد ابتدع أعداء الإنسانية ومن لف لفهم جبهات عدة للقضاء على الدين، من أحدثها ما يسمونه" التاريخانية". وللحديث صلة.












اليوم.. استكمال جلسات محاكمة المتهمين في وفاة السباح يوسف محمد
المحكمة تغرم الشيخ صلاح التيجاني 20 ألف جنيه بتهمة نشر فيديوهات مسيئة
تفريغ محادثات 3 متهمين في واقعة سرقة أدوية التأمين الصحي بحلوان
النيابة الإدارية تواصل غدًا التحقيق في واقعة مصرع 7 مرضى بمركز علاج...
تراجع أسعار الذهب اليوم الخميس وعيار 21 يفقد 60 جنيهًا
أسعار الذهب في الصاغة اليوم الجمعة
سعر الدولار اليوم الخميس 11 ديسمبر 2025 مقابل الجنيه المصري
أسعار الدولار أمام الجنيه اليوم الأربعاء