د. نهال أحمد يوسف تكتب : أما آن لهذا الملف الأسود أن يُغلق ؟
منذ أيام قليلة، استيقظنا مجدداً على ما كشفته وزارة التضامن الاجتماعي في بيانها الأخير، والذي جاء حاسماً وصادماً في آن واحد؛ إذ أعلنت الوزارة عن غلق الدار محل الواقعة المؤسفة فوراً، وسحب ترخيصها نهائياً، مع إبلاغ النيابة العامة لتولي التحقيقات مع مدير الدار ورجل الأعمال الذي ينفق على الدار، والذي كشفت التحقيقات عن استلامه لأربعة أطفال من الدار واستغلالهم في أعمال منافية للآداب، في قضية صُنفت رسمياً تحت مسمى "الاتجار في البشر". تحركٌ رسمي سريع لضبط الجناة، وبيانات تتوالى لتؤكد انتصار العدالة القانونية، وقريباً سنرى صوراً تنتشر للمتهمين وهم قيد التحقيق. ولكن، وسط هذا الصخب الإعلامي وضجيج البيانات وتصفيق الجميع لسرعة القبض على المجرمين، يبرز سؤال مرعب يغيب عمداً أو سهواً عن المشهد: ماذا بعد؟ وأين الأطفال من كل هذا؟
إن المأساة الحقيقية ليست فقط في الجريمة البشعة التي ارتُكبت، وإنما تكمن في طريقة تعاطينا مع ما بعدها. هؤلاء الأطفال، الذين تخلت عنهم أسرهم وتركهم ذووهم لسبب أو لآخر، وجدوا أنفسهم فريسة لـ "مافيا" تدير بعض هذه الدور، وكأنهم سلع تباع وتشترى، أو أجساد مستباحة لتفريغ عقد المشرفين النفسية. وحين تقع الكارثة، نجد أن التغطية الرسمية والإعلامية تركز بالكامل على "الجاني"، بينما يغيب الضحية تماماً عن الصورة والحديث والاهتمام الحقيقي.
لماذا يختفي الحديث عن حالة الأطفال النفسية والجسدية فور القبض على المجرم؟ أليسوا هم قلب القضية؟ إن تغييبهم عن المشهد الرسمي يوحي بأنهم مجرد "أدلة" في مسرح جريمة، وليسوا بشراً تم اغتيال طفولتهم. لو كانوا حقاً محور الاهتمام، لرأينا تحركات فورية لقوانين تحميهم، ولسمعنا عن برامج تأهيل نفسي عاجلة لترميم ما كسره الوحوش بداخلهم، ولشاهدنا قرارات وزارية صارمة تنسف منظومة الإشراف الحالية وتستبدلها بمنظومة إنسانية حقيقية.
إنه لمن العار أن تكون بلدنا، التي عُرفت عبر التاريخ بأنها "أم الدنيا"، والتي تفتح أبوابها لاستقبال ملايين اللاجئين، تحميهم وتعيلهم وتوفر لهم الأمان – وهو أمر نعتز به – عاجزة في الوقت ذاته عن حماية بضعة آلاف من أبنائها الأيتام والمسنين من بطش معدومي الضمير في الداخل. كيف نستطيع احتواء الغريب وحمايته، ونقف مكتوفي الأيدي أمام "مسلخ" ينصب يومياً لأولادنا الذين قسى عليهم الزمن وأهلهم؟ أليس "الأقربون أولى بالمعروف" وبالحماية وبالقوانين الرادعة؟
لقد حان الوقت لفتح هذا الملف بجدية وصرامة، بعيداً عن الحلول الترقيعية وردود الأفعال اللحظية. إن ما يحدث داخل بعض دور الأيتام والمسنين ودور الرعاية ليس مجرد "حوادث فردية" كما يحلو للبعض تسميتها، وإنما هو خلل بنيوي في منظومة الرقابة والتشريع. إننا نواجه "مافيا" تتاجر بأوجاع المستضعفين، سواء كانوا أطفالاً لا حول لهم ولا قوة، أو مسنين أفنوا أعمارهم لينتهي بهم المطاف تحت رحمة من لا يرحم.
الحلول العاجلة والمصيرية:
وانطلاقاً من مسؤوليتي الإنسانية، ورغم أنني لست متخصصة في هذا المجال، إلا أنني أطرح هذه الحلول باجتهاد شخصي نابع من قراءة للواقع، لعلها تجد صدىً أو تكون أساساً لنقاش جاد ينهي هذه المأساة. إن إنقاذ ما تبقى من إنسانيتنا يتطلب خارطة طريق واضحة لا تقبل التأجيل، تبدأ بفرض رقابة إلكترونية صارمة وشاملة؛ فلا يجب أن يُرخص لأي دار رعاية (أيتام أو مسنين) دون تغطية كاملة بالكاميرات، وتكون متصلة مباشرة بغرف عمليات مركزية في وزارة التضامن والجهات الأمنية، بحيث لا تترك زاوية مخفية يمكن أن تُرتكب فيها جريمة بعيداً عن الأعين.
ولكن الكاميرات وحدها لا تكفي، فالأهم هو "من يراقب من؟". لذا، يجب إعادة هيكلة الكادر البشري بالكامل، وجعل الأولوية القصوى في التوظيف لخريجي معاهد الخدمة الاجتماعية وأقسام الاجتماع وعلم النفس. هؤلاء هم الأقدر علمياً وإنسانياً على التعامل مع هذه الفئات، بدلاً من ترك الأطفال تحت رحمة عمالة غير مؤهلة. ولتحقيق ذلك، يجب تطوير مناهج التعليم العالي لتأهيل هؤلاء الخريجين للعمل الميداني في الدور كمسار وظيفي مرموق بعد التخرج، سواء عن طريق التكليف أو الترشح المباشر، ليكونوا خط الدفاع الأول عن هؤلاء الصغار.
وبالتوازي، ورغم يقيننا بأن تدني الرواتب ليس مبرراً أبداً للقسوة أو انعدام الضمير، إلا أن ضبط منظومة الأجور يظل ركناً أساسياً في الحل لضمان استقطاب الكفاءات المؤهلة. يجب أن تتدخل الدولة للإشراف على رواتب العاملين في هذه الدور، وحتى المشاركة في جزء منها لضمان حصولهم على مقابل مادي عادل وكريم يشجع الكفاءات الحقيقية على العمل والاستمرار، ويقطع الطريق على الفساد واستغلال الأطفال، فالأمان المادي للمشرف السوي ينعكس أماناً نفسياً على الطفل.
ولكي تكتمل دائرة الحماية، لا بد من تغليظ العقوبات بشكل رادع؛ فالقوانين الحالية لم تعد كافية لإخافة هذه الوحوش البشرية. يجب التعامل مع الاعتداء على يتيم أو مسن كجناية عظمى وخيانة للأمانة تصل عقوبتها للسجن المؤبد. وبالتوازي مع الدور الرسمي، يجب كسر عزلة هذه الأماكن عبر تفعيل الرقابة المجتمعية، بفتح الأبواب لزيارات مفاجئة من المجتمع المدني والفرق التطوعية، لتظل هذه الدور تحت عين المجتمع طوال الوقت. وأخيراً، والأهم من كل ما سبق، هو الالتفات للضحية عبر تخصيص ميزانيات حقيقية لبرامج التأهيل النفسي للأطفال المعنفين.
إن الحفاظ على هؤلاء الأطفال وعلى كرامة المسنين أصبح واجباً مقدساً ومهمة أمن قومي اجتماعي. هم ليسوا "هامشاً" في المجتمع، وإنما هم اختبار لإنسانيتنا جميعاً. فإما أن نكون لهم السند والعائلة التي فقدوها، وإما أن نكون شركاء في الجريمة بصمتنا وتجاهلنا لما يحدث خلف الأسوار المغلقة.
السادة المسؤولون، لقد شبعنا من أخبار "ضبط الجناة"، وننتظر أخبار "شفاء الضحايا" وتغيير القوانين. الكرة الآن في ملعبكم، والتاريخ لن يرحم من ترك هؤلاء الصغار فريسة للذئاب.












إحالة أوراق المتهم الأول بقتل موظف بدسوق إلى المفتي
الأمن يكشف ملابسات مشاجرة دار السلام
اليوم... أولى جلسات محاكمة قاتل عروس المنوفية بعد 4 أشهر من الزواج
حبس والدة الإعلامية شيماء جمال احتياطيًا بتهمة التهديد والبلطجة
حسن عبد الله: منحة علماء المستقبل تعكس التزام البنك المركزي...
أسعار الذهب في السوق المحلية اليوم.. وعيار 21 يسجل 6160 جنيها
أسعار الذهب بالأسواق بعد تسجيل مستويات غير مسبوقة.. عيار 21 يعود للانخفاض
تراجع أسعار الذهب اليوم الخميس وعيار 21 يفقد 60 جنيهًا