الأحد 1 فبراير 2026 08:36 صـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

سماح عزام تكتب : استقرار الطفل… أمن مصر الصامت

الكاتبة سماح عزام
الكاتبة سماح عزام

ليست الدول القوية تلك التي تمتلك السلاح فقط، بل تلك التي تُحسن صناعة الإنسان.ولا يُصنع الإنسان في الفراغ، بل يُصنع أولًا في بيت، وتُزرع ملامحه الأولى في علاقة، ويتشكل وعيه بين أبٍ وأم.من هنا يبدأ الأمن القومي الحقيقي، من داخل جدران البيوت، لا من خلف أسوار المعسكرات.استقرار الطفل ليس ترفًا اجتماعيًا، ولا شأنًا عاطفيًا خاصًا، بل هو مسألة دولة بامتياز، لأنه يحدد ملامح المواطن القادم، وسلوكه، وانتماءه، وقدرته على البناء لا الهدم.
الطفل الذي ينشأ في أسرة مستقرة نفسيًا، حتى لو كانت محدودة الإمكانات، يحمل في داخله شعورًا بالأمان، وهذا الأمان يتحول مع الزمن إلى ثقة، ثم إلى اتزان، ثم إلى مسؤولية.أما الطفل الذي يتربى وسط صراع دائم، أو علاقة غير سوية، أو هجر مفاجئ، أو أب انسحب من المشهد الإنساني قبل أن ينسحب من البيت، فإنه لا يفقد أحد والديه فقط، بل يفقد الإحساس بالعالم ذاته.وهنا تبدأ الشروخ الصامتة، التي لا تُرى في الطفولة، لكنها تظهر بوضوح في الشباب، غضبًا بلا سبب واضح، تمردًا بلا قضية، أو انسحابًا باردًا من كل ما له قيمة.
الطلاق في حد ذاته ليس الجريمة، فالحياة أعقد من أن تُختزل في استمرار شكلي لعلاقة ميتة.لكن الجريمة الحقيقية هي الطلاق بلا مسؤولية، والانفصال بلا وعي، والرحيل بلا حساب لما يتركه خلفه من أرواح صغيرة لم تختر شيئًا من هذا.الجريمة أن يتحول الأب إلى زائر عابر في حياة أبنائه، أو أن تُترك الأم وحدها في مواجهة العبء النفسي والتربوي والاجتماعي، بينما يُطلب منها في الوقت ذاته أن تُخرج للمجتمع أبناءً أسوياء أقوياء.هذا تناقض لا تبنى به دول.
الدولة التي تريد شبابًا أقوياء، لا بد أن تحمي الأسرة، لا بالشعارات، بل بثقافة عامة تحاسب السلوك، وتُعلي قيمة المسؤولية، وتُعيد تعريف الرجولة والأمومة.الرجولة ليست في القدرة على الرحيل، بل في القدرة على الاستمرار المسؤول، حتى حين ينتهي الحب.والأمومة ليست في التحمل الصامت وحده، بل في أن لا تُترك امرأة لتقوم بدور دولة كاملة داخل بيت واحد.
الأطفال الذين يكبرون وهم يحملون غلًا أو حقدًا أو شعورًا عميقًا بالخذلان، لا يتحولون فجأة إلى مواطنين متصالحين مع أنفسهم حين يبلغون سن الرشد.المشاعر المؤجلة لا تختفي، بل تتخفى، ثم تعود في صورة تطرف، أو عنف، أو لا مبالاة، أو فقدان انتماء.وهنا تدفع الدولة الثمن متأخرًا، بعد أن تكون قد ظنت أن المشكلة كانت “أسرية” وليست “وطنية”.
الأسرة المصرية كانت عبر التاريخ خط الدفاع الأول عن المجتمع، وكانت شبكة الأمان التي تُرمم ما تعجز القوانين عن إصلاحه.وحين تتآكل هذه الشبكة، لا يكفي أن نلوم الزمن أو الظروف، بل يجب أن نمتلك شجاعة الاعتراف بأن استقرار الطفل هو الاستثمار الأهم، وأن أي مجتمع يستهين بوجع أطفاله، يدفع الفاتورة مضاعفة في المستقبل.
نحن لا نطالب بعلاقات مثالية، بل بعلاقات مسؤولة.لا نطالب بمنع الطلاق، بل بمنع الخراب النفسي الذي يليه.نطالب بأن يفهم كل أب وكل أم أن أبناءهم ليسوا تفصيلًا جانبيًا في قصة فشل أو نجاح علاقة، بل هم القصة كلها، وهم مستقبل هذا الوطن، شئنا أم أبينا. وفي الخلاصة التي لا تقبل الجدل : الدولة القوية تبدأ بطفل مستقر، والطفل المستقر لا يُصنع في بيت مهزوز. من أراد أمن مصر، فليبدأ من الأسرة، ومن أراد نهضة حقيقية، فليضع الطفل في مقدمة الأولويات، لا في هامش النقاش .هذا ليس خطابًا عاطفيًا، بل نداء وعي، لأن الأوطان لا تُبنى بالأيدي وحدها، بل بالقلوب التي لم تنكسر في طفولتها.

سماح عزام مقالات سماح عزام استقرار الطفل… أمن مصر الصامت الجارديان المصرية