الخميس 5 فبراير 2026 03:08 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د. هاني المصري يكتب : السيسي وإبستين: الحقيقة الكاملة بعيدًا عن التضليل

د. هاني المصري
د. هاني المصري

مع الإعلان عن دفعات جديدة من وثائق جيفري إبستين، عاد الجدل الدولي حول ما تحمله تلك الملفات من أسماء وسياقات، ليس فقط في إطار القضية الجنائية ذاتها، بل فيما يتصل بتوظيفها سياسيًا وإعلاميًا. وفي خضم هذا الجدل، جرى تداول روايات تربط اسم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي بتسريبات إبستين، مستندة إلى تصريحات منسوبة إلى هيلاري كلينتون عبّرت فيها – وفق ما يُتداول – عن قلقها من السيسي واعتباره “أكبر خطر على الأمن القومي الأمريكي والإسرائيلي”، مع توقعات بسقوط نظامه عند أول أزمة اقتصادية.

ورغم أن هذه التصريحات لم ترد كنص موثق داخل الوثائق المنشورة رسميًا، فإن إعادة تداولها في هذا التوقيت فتحت باب التساؤل حول سبب الزج باسم السيسي، وما إذا كان الأمر يتجاوز مجرد الذِكر العابر إلى رسالة سياسية أعمق.

قلق سياسي لا اتهام قضائي

اللافت في الروايات المتداولة أن مضمونها لا يتصل بقضية إبستين الجنائية بقدر ما يعكس مخاوف سياسية واستراتيجية. فحتى الآن، لا تشير الوثائق المعلنة إلى أي علاقة مباشرة بين الرئيس المصري وشبكة إبستين، ولا تتضمن اتهامات أو مراسلات من هذا النوع. غير أن الزج باسم السيسي يأتي في سياق مختلف، مرتبط بدوره الإقليمي وتحولاته في السياسة الخارجية المصرية.

ويشير محللون إلى أن القلق المنسوب لهيلاري كلينتون – سواء ورد بصيغته المتداولة أو أُعيدت صياغته لاحقًا – يعكس إدراكًا داخل بعض الدوائر الأمريكية بأن مصر في عهد السيسي خرجت تدريجيًا من عباءة التبعية التقليدية، وبدأت تنتهج سياسة أكثر استقلالًا في قراراتها السيادية، سواء في تنويع مصادر السلاح، أو توسيع الشراكات الدولية، أو إعادة صياغة دورها الإقليمي.

مصر خارج حسابات السيطرة

منذ عام 2014، اتجهت الدولة المصرية إلى إعادة بناء مؤسساتها الوطنية، وتثبيت مفهوم الدولة القوية القادرة على اتخاذ قرارها بعيدًا عن الإملاءات الخارجية. هذا المسار، بحسب مراقبين، لم يكن مريحًا لبعض القوى التي اعتادت التعامل مع مصر بوصفها دولة قابلة للتوجيه أو الضغط عبر الأزمات الاقتصادية أو السياسية.

ومن هنا، يُفهم القلق المتداول من أن نموذج الدولة الوطنية المستقرة في منطقة مضطربة يمثل تهديدًا لمشروعات الفوضى وإعادة تشكيل الإقليم، وهو ما يفسر محاولات التشكيك المستمرة في القيادة المصرية، سواء عبر تقارير مسيسة أو حملات إعلامية عابرة للحدود.

لماذا الآن؟ سر توقيت التسريبات

توقيت الإعلان عن وثائق إبستين لا ينفصل عن السياق الداخلي الأمريكي، حيث جاءت عمليات الإفراج عن الملفات استجابة لضغوط قانونية وتشريعية تتعلق بالشفافية، بالتزامن مع احتدام الصراعات السياسية داخل الولايات المتحدة. وغالبًا ما تتحول مثل هذه اللحظات إلى فرصة لإعادة توظيف الوثائق خارج إطارها الأصلي، خاصة عندما تتقاطع مع مصالح دولية وحسابات نفوذ.

ويلاحظ أن إعادة إحياء بعض التصريحات أو التحليلات القديمة وربطها بالتسريبات الجديدة يخدم حالة الإرباك الإعلامي أكثر مما يخدم الحقيقة، خصوصًا في ظل غياب نصوص صريحة أو أدلة مباشرة.

التأثير في الأوساط الدولية

دوليًا، تعاملت مؤسسات إعلامية كبرى مع تسريبات إبستين بحذر، مؤكدة أن ذكر الأسماء لا يعني الإدانة، وأن كثيرًا من الأسماء وردت في سياقات سياسية أو اجتماعية عامة. في المقابل، استغلت منصات أخرى هذه الوثائق لتغذية سرديات سياسية تستهدف دولًا بعينها، من بينها مصر، في محاولة للتشكيك في أدوارها الإقليمية.

وختاماً يا سادة

إعادة تداول اسم الرئيس عبد الفتاح السيسي في سياق تسريبات إبستين، مقرونة بتصريحات منسوبة لهيلاري كلينتون، تكشف أكثر مما تُخفي عن صراع الإرادات السياسية في المنطقة. فالقضية، في جوهرها، لا تتعلق بملف جنائي بقدر ما تتصل بمخاوف من دولة استعادت قرارها الوطني، وقيادة قرأت مبكرًا خرائط الفوضى وواجهتها بالتنمية وبناء المؤسسات.

وبين الوثيقة والتحليل، يبقى الثابت أن استقلال القرار المصري هو العنوان الأبرز، وهو ما يفسر استمرار محاولات التشكيك كلما تغيّرت موازين القوى.

د. هانى المصرى السيسي وإبستين: الحقيقة الكاملة بعيدًا عن التضليل الجارديان المصرية