الثلاثاء 17 فبراير 2026 05:55 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

وصفي هنرى يكتب من فيينا: أنا و الذكاء الاصطناعي

الكاتب الكبير وصفى هنرى
الكاتب الكبير وصفى هنرى

أصبت نهاية نوڤمبر الماضي بالتهاب رئوي حاد ، وعلى أثره تم نقلي مباشرة إلى المستشفى ، حيث بدأ الأطباء علاجًا مكثفًا بالمضادات الحيوية والكورتيزون. كانت الحالة صعبةً ، لكن بعد أسبوعين بدأ التحسن يظهر تدريجيًا .
وخلال فترة الإقامة بالمستشفى أُصبت أيضًا بانفلونزا شديدة ، مع احتقان في الزور وسعال ورشح . أوضح الأطباء أن هذا فيروس منتشر للأسف بين المرضى ، ونصحوني بالراحة التامة مع الغرغرة لعلاج التهاب الحلق ، وبالفعل بدأت أتعافى شيئًا فشيئًا .
بعد مرور ثلاثة أسابيع، ومع اقتراب موعد خروجي ، ظهرت فجأة على ساقى اليسرى بقعة شديدة الاحمرار ، مصحوبة بألم شديد . في اليوم التالي مع زيارة الأطباء ، رجّحوا أنه التهاب بكتيري ، وكانوا يخططون لإعطائي جرعة عالية من الكورتيزون لمدة خمسة أيام للقضاء على الالتهاب كما قالوا .
لكن شيئًا بدا لي غير مريح في هذا التشخيص. كنت قد أمضيت ثلاثة أسابيع كاملة في المستشفى دون تلقي حقن السيولة الوقائية، وهو أمر معروف أهميته للمرضى الذين يمكثون لفترات طويلة في السرير .
قررت أن أتحقق بنفسي ، قمت بتصوير ساقي بالكامل من أسفل الركبة حتى القدم، وأرسلت الصورة إلى ChatGPT طالبًا الرأي وجاء الرد بالتحليل واضحًا ، الاحتمال الأكبر أن تكون جلطة في الساق ، بينما احتمال أن يكون التهابًا بكتيريًا ضعيفًا للغاية .
لم أتجاهل الأمر وطلبت استدعاء الطبيب فورًا وعندما حضر، عرضت عليه التحليل الذي حصلت عليه من ChatGPT ، فلم يعترض وأرسلني مباشرة لإجراء فحص بالموجات فوق الصوتية) ، النتيجة جاءت حاسمة ، وجود جلطة في الساق.
في الحال بدأت العلاج بأدوية مسيّلة للدم ، إضافة إلى ارتداء شراب ضاغط ما زلت أستخدمه حتى الآن.
هذه التجربة لم تكن قصة نظرية عن الذكاء الاصطناعي ، بل تجربة شخصية حقيقية موثقة . كانت لحظة شعرت فيها أن أداة رقمية يمكن أن تكون داعمًا حقيقيًا في موقف صحي دقيق ، ليس بديلاً عن الطبيب ، بل وسيلة مساعدة لاتخاذ القرار الصحيح في الوقت المناسب .
ما حدث معي ليس مجرد واقعة فردية ، بل مؤشر على مرحلة جديدة يدخلها الطب الحديث . لسنوات طويلة كان المريض يعتمد بالكامل على خبرة الطبيب ، وكان الطبيب يعتمد على خبرته الشخصية والكتب والدراسات. اليوم نحن أمام معادلة مختلفة ، ذكاء اصطناعي قادر على تحليل المعطيات بسرعة هائلة ، ومقارنة الأعراض بآلاف الحالات المشابهة خلال ثوانٍ.
أتخيل انه بعد عام واحد فقط، سيصبح من الطبيعي أن يعتمد الأطباء والمرضى على حد سواء على أنظمة الذكاء الاصطناعي كأداة مساندة في التشخيص واتخاذ القرار . لن يُلغي ذلك دور الطبيب ، بل سيعززه. ولن يُضعف العلاقة الإنسانية بين الطبيب والمريض، بل قد يمنحها دقة وأمانًا أكبر . الذكاء الاصطناعي لن يحل محل الضمير الطبي ، لكنه قد يصبح البوصلة الرقمية التي تساعد على تجنب الخطأ قبل وقوعه.
التجربة حقيقية ، هذا ما أراه الآن وأنا في السادسة والسبعين من عمري ، فإذا كان الذكاء الاصطناعي قد ساعدني في هذه المرحلة من حياتي على اتخاذ قرار طبي صحيح في لحظة حرجة ، فكيف سيكون عليه الأمر مع أحفادي؟
جيلهم لن يتعامل مع هذه التكنولوجيا باعتبارها اختراعًا مدهشًا، بل كجزء طبيعي من الحياة اليومية ، سيكبرون في عالم يكون فيه الذكاء الاصطناعي حاضرًا في العيادة، وفي المنزل ، وربما في الأجهزة التي تراقب صحتهم لحظة بلحظة .
ما عشته أنا كتجربة استثنائية ، قد يصبح بالنسبة لأحفادي أمرًا عاديًا ، وما اعتبرته أنا خطوة جريئة ، سيصبح لديهم خطوة بديهية .
التاريخ يتحرك أمام أعيننا، ونحن شهوده ، وأجمل ما في الأمر أنني ، في هذا العمر ، ما زلت أتعلم… وما زلت أندهش.
ايه اللى فاضل عالجنة

وصفي هنري
ڤيينا ٨ أمشير ٦٢٦٧
الاثنين ١٦ فبراير ٢٠٢٦

55cad5379485.jpg
وصفي هنرى أنا و الذكاء الاصطناعي الجارديان المصرية