الخميس 19 فبراير 2026 04:01 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

ما بين ”جزيرة الانحراف” و”قدسية القيم” ..

محمد الشافعى يكتب: ما بين ”جزيرة الانحراف” و”قدسية القيم” هل يسقط الخطاب الغربي في حقوق الإنسان بعد فضيحة إبستين؟

الكاتب والمحلل السياسي محمد الشافعى
الكاتب والمحلل السياسي محمد الشافعى

لطالما تمسك الغرب بمبدأ "حقوق الإنسان" كبوصلة أخلاقية لحضارته، وكمعيار يفرضه على دول العالم، شرقاً وغرباً. لكن مع تزايد كشف المستور في قضية الملياردير الراحل جيفري إبستين، وما يرتبط بها من وثائق وكشوفات، بدا أن هذه البوصلة قد أصابها الخلل. فبينما تظهر الوثائق أسماء لامعة من رؤساء وملوك ومسؤولين غربيين، تبرز جزيرة "ليتل سانت جيمس" كرمز للانحدار الأخلاقي والإنساني، لتطرح سؤالاً جوهرياً: هل يمكن للغرب، بعد هذه الفضيحة المدوية، أن يستمر في ادعاء القيادة الأخلاقية للعالم؟

*الشرق: هامش الحضور في قلب العاصفة

من أكثر الأمور لفتاً للانتباه في قضية إبستين، هو الغياب شبه الكامل لأسماء شخصيات سياسية أو اقتصادية بارزة من الدول الشرقية، سواء كان ذلك في الشرق الأقصى (كالصين واليابان وكوريا الجنوبية)، أو الشرق الأدنى (كالوطن العربي)، أو حتى في المنطقة المتوسطية. باستثناء حالات فردية نادرة وشاذة لا تمثل إلا نفسها، تخلو القوائم المنشورة من أسماء القادة والمسؤولين في هذه الدول.

هذا الغياب لا يمكن تفسيره بمجرد الصدفة، بل يدفع للتأمل في طبيعة النسيج الاجتماعي والقيمي السائد في الشرق. فالمجتمعات الشرقية، على اختلاف ثقافاتها، لا تزال تحتفظ بمناعة أخلاقية مستمدة من الدين والعادات والتقاليد الراسخة. هناك خطوط حمراء اجتماعية ودينية لا يمكن تجاوزها بسهولة، حيث تمثل الأسرة وحماية الأطفال والتماسك المجتمعي قيمة عليا. إن الخوف من الفضيحة والوصم الاجتماعي لا يزال رادعاً قوياً، والرقابة المجتمعية أكثر فعالية من أي رقابة قانونية. هذا لا يعني أن المجتمعات الشرقية خالية من العيوب أو الجرائم، لكنه يعني أن ثقافة النخبة الحاكمة والمؤثرة فيها لم تصل إلى حالة من التفلت الأخلاقي التي تسمح بإقامة شبكات منظمة للاتجار بالبشر واستغلال القاصرين على نطاق واسع، تحت حماية السلطة والثروة.

• الغرب: سقوط القناع وكشف المستور

على النقيض، كانت قضية إبستين بمثابة زلزال هز أسس النخبة الغربية. فالأسماء التي ظهرت في الوثائق لم تكن لأشخاص هامشيين، بل لعناوين كبرى في السياسة (كرؤساء أمريكيين سابقين ووزراء بريطانيين)، والمال (كمؤسسي صناديق استثمار عالمية)، والعلم (كرؤساء جامعات مرموقة). لم تكن جزيرة إبستين مجرد مكان لارتكاب جرائم، بل كانت رمزاً لثقافة النخوية المريضة التي تضع نفسها فوق القانون والأخلاق، حيث يُنظر إلى البشر، وخاصة الفقراء والمهمشين، كسلع يمكن استغلالها لإشباع الرغبات.

تكشف القضية عن تناقض صارخ بين الخطاب الرسمي الغربي عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وبين الممارسات السرية لنخبه. كيف يمكن لدولة أن تفرض عقوبات على دول أخرى بحجة "حماية المرأة والطفل"، بينما تطوى سجلاتها على أدلة تورط رموزها في أخطر الجرائم الجنسية ضد القاصرين؟ إنها إشكالية "المعايير المزدوجة" التي تصل إلى ذروتها هنا.

• ما بعد إبستين: هل انتهت "الوصاية الأخلاقية" للغرب؟

إن تداعيات هذه القضية تتجاوز الجانب القانوني والأخلاقي، لتضرب في العمق المصداقية الدولية للغرب. فلم يعد بإمكان الدول الغربية، وخاصة الولايات المتحدة، أن تتبوأ منصة الواعظ الأخلاقي للعالم. فكيف لمن بيته من زجاج أن يتهم الآخرين برمي الحجارة؟

بالنسبة للعالم، وخاصة الشرق، تقدم قضية إبستين دليلاً عملياً على أن الشرق، رغم مشاكله وتحدياته، لا يزال يحتفظ بجذور عقائدية أخلاقية وإنسانية تحميه من السقوط في مثل هذه الهاوية. إنها لحظة تاريخية يمكن للشرق أن يستعيد فيها زمام المبادرة في الحديث عن القيم، ليس من منطلق الدفاع عن النفس، بل من منطلق الاقتداء بنموذجه الواقعي القائم على الأسرة والمجتمع.

• وفى النهاية .. أن فضيحة إبستين لم تفضح أفراداً فقط، بل كشفت عن خلل نظامي في ثقافة النخبة الغربية. لقد أظهرت أن التقدم المادي والتكنولوجي لا يصاحبه بالضرورة تقدم أخلاقي، بل قد يؤدي إلى انحطاط قيمي خطير. وبعد هذه الفضيحة، لن يكون للغرب الكلمة العليا في حقوق الإنسان، لأن شاهداً من أهله قد شهد على سقوطه المدوي. لقد حان الوقت لخطاب عالمي جديد في القيم، تكون فيه القدوة بالفعل لا بالقول، والشرق اليوم مدعو ليكون جزءاً فاعلاً في صياغته.

محمد الشافعى ما بين ”جزيرة الانحراف” و”قدسية القيم” هل يسقط الخطاب الغربي في حقوق الإنسان بعد فضيحة إبستين؟الجارديان المصرية