الكاتبة الروائية هدى حجاجى أحمد تكتب: بين الحرف والمعنى.. حيث يُولد النصّ مرّتَين
ليس الإبداعُ الحقيقيُّ فيما يُقال، بل في تلك المنطقة المراوِغة التي لا تُرى؛ في المسافة الفاصلة بين الحرف والمعنى. هناك، في الفراغ المضيء، يتشكّل النصّ على نحوٍ لا تُمسكه الأصابع ولا تُحدِّده القواعد. فالكلمات، مهما بلغت دقّتُها، ليست سوى إشاراتٍ أولى، علامات طريقٍ إلى شيءٍ يتجاوزها. أمّا المشهد الكامل، فقلّما يستقرّ على الورق؛ إنّه يكتمل في ذهن القارئ، حيث تُعاد كتابة النصّ بصمتٍ شخصيّ لا يملكه الكاتب.
حين نقرأ، لا نستقبل المعنى كما أُرسل، بل كما نقدر أن نراه. كلُّ قارئٍ يحمل قاموسه الخفيّ: ذاكرته، جروحه، انحيازاته، وصوره المؤجَّلة. لذلك، لا يوجد نصٌّ واحدٌ يُقرأ بالطريقة نفسها مرّتَين. إنّ ما نسمّيه “فهمًا” ليس إلا تفاوضًا رقيقًا بين ما كتبه المؤلّف وما أضافته التجربة الإنسانية للقارئ. في تلك المسافة تحديدًا، يتنفّس الإبداع؛ إذ يغدو النصّ كائنًا حيًّا، قابلًا للتحوّل، عصيًّا على الاكتمال النهائي.
الكاتب، في جوهر فعله، لا يملأ الصفحة، بل ينسّق الغياب. يضع الكلمات كما يضع الرسّام ضربات الضوء، تاركًا للظلّ مهمّة الإيحاء. فالقيمة الجمالية لا تنشأ من وفرة القول، بل من اقتصادٍ ذكيّ يوقظ المخيّلة. إنّ جملةً موفَّقة قد تُنتج عالَمًا كاملًا إذا أحسنتْ تركَ ما ينبغي أن يُتخيَّل. وهكذا يصبح الصمتُ عنصرًا بنائيًّا في الكتابة، لا نقصًا فيها؛ الصمتُ الذي يسمح للمعنى أن يتردّد بدل أن يُملى.
في هذا الأفق، يتغيّر تعريف البلاغة. لم تعد البلاغة زخرفًا لغويًّا أو براعةً بيانيّة فحسب، بل قدرةً على خلق مساحاتٍ قابلة للتأويل. النصّ البليغ ليس الأكثر بيانًا، بل الأكثر إيقاظًا. إنّه الذي يثق بالقارئ، يشاركه مهمّة الخلق، ويعترف ضمنًا بأنّ المعنى لا يُستخرج من الكلمات كما يُستخرج المعدن، بل يُبنى عبر تفاعلٍ وجدانيّ ومعرفيّ معًا.
ثمّة مفارقة لافتة: كلّما حاول النصّ أن يشرح نفسه أكثر، خسر شيئًا من سحره. فالإفراط في التحديد يُقصي القارئ من التجربة، ويحوّل القراءة إلى تلقٍّ أحاديّ. أمّا حين يترك الكاتب نوافذ مفتوحة، فإنّه يمنح القارئ لذّة الاكتشاف، ويتيح للنصّ أن يُولد مرّةً ثانية. بذلك، لا يعود الورق خاتمة الإبداع، بل بدايته الفعلية.
إنّ الإبداع، في صورته الأعمق، هو فنُّ إدارة المسافة: بين ما يُقال وما يُقصد، بين ما يظهر وما يُضمر، بين الكاتب والقارئ. وفي تلك المسافة، حيث يتعانق الحرفُ مع احتمالاته، يتكوّن المعنى بوصفه حدثًا حيًّا لا أثرًا ثابتًا. هناك فقط يكتمل المشهد — لا على الورق — بل في ذهن قارئٍ يضع، دون أن يدري، لمساته الأخيرة على نصٍّ لم يكن يومًا مكتملًا.












تأجيل محاكمة 139 متهما بالهيكل الإداري للإخوان لجلسة 9 مايو
إصابة 5 أشخاص في حادث انقلاب ربع نقل بجوار موقف الأقاليم بإسنا
القبض على متهم بالتعدي على مسنة أمام مسجد بالمحلة الكبرى
ارتفاع ضحايا حادث تصادم بمحور 30 يونيو في بورسعيد إلى 18 وفاة...
أسعار الدواجن والبيض اليوم الخميس 19 - 2 - 2026
أسعار الذهب اليوم الجمعة.. عيار 21 يقفز 40 جنيهًا
ارتفاع أسعار الذهب في مصر اليوم.. عيار 21 يسجل 7200 جنيه الجمعة...
الدولار ينخفض 5 قروش أمام الجنيه داخل البنك الأهلي المصري بالتعاملات الصباحية