الخميس 26 فبراير 2026 02:05 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

حكايات مصيرية

الكاتب الصحفي الحسيني عبد الله يكتب : رمضان… شهر القلوب قبل البطون

الكاتب الكبير الحسينى عبدالله
الكاتب الكبير الحسينى عبدالله

لم يُفرض الصيام في الإسلام ليكون امتناعًا مؤقتًا عن الطعام والشراب، بل شُرع ليكون رحلة عميقة إلى داخل الإنسان، حيث القلب هو المقصد الأول، والسلوك هو الثمرة. فرمضان، في جوهره، شهر القلوب قبل البطون، وشهر التزكية قبل الامتناع.
كثيرون يدخلون رمضان بأجسادهم، لكن قلوبهم تبقى خارج المعنى. ينشغلون بمائدة الإفطار أكثر من مائدة القيم، وبما يُطهى في القدور أكثر مما يُطهَّر في الصدور. بينما المقصد الأعظم من الصيام هو تهذيب الداخل، وكسر الشهوات، وإيقاظ الضمير.
رمضان يعيد تعريف العلاقة مع النفس؛ فيه يتعلّم الإنسان أن يقول «لا» لما اعتاده، وأن يؤجل الرغبات، وأن يختبر صدق إرادته. فالصائم الحقيقي ليس من جاع جسده فقط، بل من رقّ قلبه، واستقام لسانه، واتّزن سلوكه.
وفي هذا الشهر، تتجلّى أخلاق الصيام في الحياة اليومية: صبر في الزحام، ورحمة في التعامل، وضبط للنفس عند الغضب. فالصيام الذي لا ينعكس على الخلق، يبقى جوعًا بلا أثر، ومشقة بلا معنى.
كما أن رمضان يذكّر الإنسان بجوهر التكافل الإنساني. فالإحساس بالجوع ليس غاية في ذاته، بل جسر يعبر به الصائم إلى فهم آلام الآخرين، واستشعار مسؤولية العطاء، لا من باب الفضل، بل من باب الواجب الأخلاقي.
إن تحويل رمضان إلى موسم استهلاك، أو طقس اجتماعي متكرر، يُفرغه من روحه، ويختزل رسالته العميقة. فرمضان ليس شهر البطون الممتلئة، بل شهر القلوب التي تُملأ وعيًا، وإيمانًا، ورحمة.
من أدرك رمضان بقلبه، تغيّر بعده سلوكه، ومن أدركه ببطنه فقط، عاد كما كان. وبين الإدراكين، يتحدد معنى الصيام، وتُقاس حقيقة العبادة.

حكايات مصيرية الكاتب الصحفي الحسيني عبد الله رمضان… شهر القلوب قبل البطون الجارديان المصرية