الثلاثاء 7 أبريل 2026 02:53 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

مدحت الشيخ يكتب : ”بين نار واشنطن وصبر طهران.. هل تُولد من رماد الحرب خريطة شرق أوسط جديد؟”

الكاتب الكبير مدحت الشيخ
الكاتب الكبير مدحت الشيخ

لم تعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران مجرد فصل جديد في كتاب الصراع التقليدي، بل تحولت إلى مشهد مركب تتداخل فيه الحسابات العسكرية بالاقتصاد، وتتشابك فيه الجغرافيا بالسياسة، في لحظة تبدو وكأنها تعيد كتابة توازنات الشرق الأوسط من جديد.

نحن لا نعيش حربًا بالمعنى الكلاسيكي، دبابات تتقدم وجيوش تعلن، بل أمام نموذج أكثر تعقيدًا: حرب محسوبة على حافة الانفجار، كل طرف يضغط دون أن يكسر الخط الأحمر الكامل.
أولًا: استراتيجية الحافة.. كيف تُدار الحرب؟
الولايات المتحدة تلعب على معادلة دقيقة:
ضربات نوعية، رسائل ردع، ضغط اقتصادي خانق، مع تجنب الانزلاق إلى حرب شاملة قد تُكلفها كثيرًا في منطقة لم تعد أولوية مطلقة كما كانت.
واشنطن تدرك أن أي مواجهة مفتوحة تعني تهديد إمدادات الطاقة العالمية، وتورطًا عسكريًا طويلًا، وفتح جبهات جديدة عبر أذرع إيران في المنطقة.
في المقابل، إيران لا تُقاتل بمنطق الاندفاع، بل بمنطق النفس الطويل.
تعتمد على شبكة نفوذ ممتدة، وتُدير الصراع عبر الوكلاء في المنطقة، والضغط على الممرات البحرية، والتلويح بقدراتها الصاروخية.
هي لا تبحث عن مواجهة مباشرة بقدر ما تسعى لفرض معادلة واضحة: لا يمكن تجاهلي.
ثانيًا: خرائط النار.. أين تشتعل الجبهات؟
المواجهة لا تحدث في نقطة واحدة، بل عبر خريطة ممتدة:
الخليج العربي: قلب الصراع ومفتاح الطاقة العالمية
مضيق هرمز: الورقة الأخطر في يد طهران، وتهديده يعني هزة عنيفة للاقتصاد العالمي
العراق: ساحة نفوذ مزدوج وميدان رسائل متبادلة
سوريا ولبنان: خطوط تماس غير مباشرة تتقاطع فيها الحسابات الأمريكية والإيرانية والإسرائيلية
البحر الأحمر: مسرح جديد للتوتر وتأثيره على الملاحة الدولية
الحرب هنا ليست في مكان واحد.. بل في شبكة جبهات مفتوحة.
ثالثًا: العرب في قلب العاصفة.. لا على هامشها
الدول العربية لم تعد متفرجًا، بل أصبحت جزءًا من المعادلة:
دول الخليج تعيش معادلة صعبة بين الأمن والاستقرار الاقتصادي، فهي الأكثر تعرضًا للخطر، لكنها أيضًا الأكثر حرصًا على تجنب الانفجار، لذلك تتجه إلى مزيج من الردع والتهدئة.
مصر تتحرك من موقع ثقل إقليمي ثابت، لا كمجرد متأثر بالأحداث بل كطرف قادر على التأثير في مسارها. فالقاهرة تمتلك أدوات توازن مهمة، تبدأ من موقعها الجغرافي الاستراتيجي الذي يربط الشرق بالغرب عبر قناة السويس، ولا تنتهي بدورها السياسي والدبلوماسي الذي يجعلها لاعبًا رئيسيًا في جهود التهدئة ومنع التصعيد.
وفي الوقت الذي تتعرض فيه المنطقة لهزات متتالية، تظل مصر أحد أهم أعمدة الاستقرار، بما تمتلكه من مؤسسات قوية ورؤية واضحة في التعامل مع الأزمات، وهو ما يمنحها قدرة على حماية مصالحها وتعزيز حضورها الإقليمي في آن واحد.
العراق ولبنان وسوريا تدفع الثمن الأكبر، إذ تحولت إلى ساحات نفوذ تتصارع فيها القوى دون إعلان مباشر.
الأردن ودول شمال أفريقيا تتأثر بشكل غير مباشر، لكن بعمق، عبر ارتفاع الأسعار وضغوط الطاقة وتداعيات الأسواق العالمية.
رابعًا: الاقتصاد.. سلاح الحرب الأخطر
في هذه المواجهة، الاقتصاد ليس نتيجة فقط، بل أداة ضغط رئيسية.
كل تصعيد ينعكس فورًا على أسعار النفط، وسلاسل الإمداد، وتكاليف الشحن والتأمين، ويخلق موجات تضخم تضرب المواطن العربي بشكل مباشر.
الحقيقة الواضحة أن تأثير الحرب قد لا يصل عسكريًا إلى كل الدول، لكنه يصل اقتصاديًا إلى الجميع دون استثناء.
خامسًا: توازنات تتغير.. ونظام يتشكل
ما يحدث الآن يتجاوز كونه أزمة عابرة، بل يمثل جزءًا من إعادة تشكيل أوسع للنظام الإقليمي والدولي.
الولايات المتحدة تعيد ترتيب أولوياتها، الصين تتوسع اقتصاديًا، روسيا تحاول تثبيت حضورها، وإيران تفرض نفسها كقوة إقليمية لا يمكن تجاوزها.
في المقابل، تتحرك بعض الدول العربية لإعادة تموضعها عبر تنويع الشراكات والانفتاح الحذر، في محاولة لخلق مساحة استقلال أكبر في القرار.
سادسًا: هل حان وقت شرق أوسط عربي جديد؟
السؤال لم يعد رفاهية فكرية، بل أصبح ضرورة واقعية.
في ظل هذا المشهد، تبرز فرصة لتشكيل نظام إقليمي عربي أكثر تماسكًا يقوم على الأمن الجماعي، والتكامل الاقتصادي، وتوحيد المواقف السياسية، وحماية الممرات الحيوية من الخليج إلى البحر الأحمر وقناة السويس.
لكن التحدي الحقيقي يظل في القدرة على تحويل هذه الرؤية إلى واقع.
الحرب الأمريكية الإيرانية لم تعد مجرد صراع نفوذ، بل لحظة كاشفة تعيد طرح السؤال القديم بشكل جديد:
هل يظل الشرق الأوسط ساحة للصراعات، أم يتحول إلى طرف فاعل يصنع توازنه بنفسه؟

مدحت الشيخ ”بين نار واشنطن وصبر طهران.. هل تُولد من رماد الحرب خريطة شرق أوسط جديد؟” الجارديان المصريه