د.محمد هناء الدين يكتب : لماذا تقتلني ؟!
في أعماق الزمن والمكان، تتلاشى الحدود بين الواقع واللامكان، تتجلى الفجوة الزمكانية كلحظة استثنائية تفصل الإنسان عن آلة الحرب. لم تكن مجرد ثقب في نسيج الكون، بل مرآة فلسفية تعكس جوهر الوجود البشري: كائن حر، ملقى في العالم، يواجه الآخر ويواجه نفسه في آن واحد. تخيل جنديين من جيشين متقاتلين، يسقطان فجأة من ساحة المعركة إلى فجوة زمكانيه منطقة اللامكان فضاء أبيض خالي الرصاص، لا جبهات ولا أوامر، فقط صمت يتردد فيه صوت الضمير.
لقاء الآخر من العدو إلى الإنسان
بدأ الحوار ببساطة قاسية، كما يبدأ كل صراع بشري:
«لماذا تقتلني؟» سأل الأول، ويده لا تزال تمسك بندقيته الفارغة
«وأنت، لماذا تقتلني أنت؟» رد الثاني، عيناه تحملان تعب السنين تحت الخوذة المتسخة.
«قتلت أصدقائي... رأيتهم يسقطون واحدًا تلو الآخر. كانوا إخوة لي، حلمنا معًا بالعودة إلى البيوت، بالزواج، بالأطفال.»
«وأنا، فقدت إخوتي أيضًا. كل طلقة أطلقتها كانت ردًا على دمائهم. لكن الآن... هنا... من أنت حقًا؟»
في هذا الفضاء الخارج عن الزمان، انهار الجدار الذي بنته الحرب بينهما. لم يعودا «عدوًا» و«صديقًا»، بل كائنين وجوديين، كما يصف جان بول سارتر في «الوجود والعدم»: كل منهما «للآخر» ولنفسه في الوقت نفسه. الآخر لم يعد موضوعًا يُقتل، بل حرية مواجهة، تكشف عن الفراغ الذي يملأه الإنسان باختياراته.
مهنة الموت وأحلام الحياة
تطور الحوار تدريجيًا، من الاتهام إلى الاعتراف. تحدثا عن «مهنتهما»: الجندي ليس محاربًا ، بل إنسانًا حولته الدول إلى أداة. أحدهما كان فلاحًا يحلم بأرض خصبة، والآخر معلمًا يريد أن يزرع المعرفة في عقول الأطفال. الحرب سرقت منهما المهن الحقيقية، وفرضت عليهما مهنة صناعة الموت.
«كنت أحلم أن أبني بيتًا، أزرع فيه أشجار الزيتون، أسمع ضحك أولادي» قال أحدهما.
«وأنا كنت أحلم بالسفر، برؤية البحار البعيدة، بكتابة قصص لا تنتهي بالموت» رد الآخر.
ثم جاءت اللحظة الرزينة،
كلاهما خاف الظلام . أحب أمه .بكى في الليالي الباردة، شعر بالوحدة تحت النجوم. الحرب لم تكن تعبيرًاعن حياتهم بل نفيًا لها. ترينا «تفاهة الشر»، يصبح الشر روتينيًا عندما يفقد الإنسان قدرته على التفكير، فيتحول إلى مجرد تنفيذ أوامر. هنا، في اللامكان، استعادا قدرتهما على التفكير: «نحن لا نربح من هذه الحرب. الدماء التي نسفكها لا تشتري لنا أرضًا ولا حرية. إنها تشتري فقط المزيد من السلطة للسادة.»
السادة والعبيد جدلية الحرب
هنا بلغ الحوار ذروته الفلسفية. تذكرا أن الحرب ليست صراعًا بين شعبين، بل جدلية بين «السادة» و«العبيد»، كما يصفها هيغل في «فينومينولوجيا الروح». السادة الزعماء، الجنرالات عاشقي الدماء أصحاب المصالح يجلسون بعيدًا عن الرصاص، يرسمون الخرائط ويعدون الأرباح. أما الجنود فهم العبيد الذين يدفعون الثمن بالجسد والروح. يقاتلون ليس دفاعًا عن أرضهم دائمًا، بل تنفيذًا لإرادة أعلى، تتخفى خلف رايات الوطن والشرف.
«السادة يربحون دائمًا» قال أحدهما بمرارة. «يربحون النفط، والأراضي، والنفوذ. أما نحن، فنربح الندوب والكوابيس والقبور.»
«ونحن نفقد أنفسنا. كل قتيل نتركه خلفنا هو جزء من إنسانيتنا يموت.»
في هذا الاعتراف، تجاوزا الثنائية البسيطة بين الخير والشر. الحرب ليست قدرًا كونيًا، بل اختيار بشري يمكن تجاوزه. كما يرى إيمانويل ليفيناس، الوجه الآخر ينادينا بمسؤولية أخلاقية مطلقة: «لا تقتل». عندما يواجه الجنديان وجه بعضهما، يصبح القتل مستحيلاً أخلاقيًا، لأن الآخر لم يعد مجرد هدف، بل نداء للإنسانية.
درس اللامكان
انتهى الحوار بصمت عميق، ثم بوعد غير معلن. لو عادا إلى ساحة المعركة، فماذا سيفعلان؟ هل يطلقان النار، أم يرفضان الدور المفروض عليهما؟ الفجوة الزمكانية لم تكن هروبًا من الواقع، بل غوصًا في جوهره. أعادت إليهما حريتهما، كما يؤكد سارترالإنسان محكوم عليه بالحرية. يمكنه أن يختار الرفض، حتى لو كلفه ذلك حياته.
في عالمنا اليوم، حيث تستمر الحروب في تشكيل خريطة 2026، يظل هذا التأمل ضروريًا. الجنود ليسوا آلات، والأعداء ليسوا وحوشًا. هم بشر يحملون أحلامًا مسروقة، وطموحات مدفونة تحت التراب. الحرب لا تنتصر إلا للسادة، أما الإنسانية فتنتصر فقط عندما يلتقي الوجه بالوجه، ويدرك كل طرف أن الآخر هو مرآته.
هكذا، في اللامكان، اكتشف الجنديان ما نسيه العالم: أن السلام ليس غياب الحرب، بل حضور الإنسان كاملاً — بحريته، بأحلامه، وبمسؤوليته تجاه الآخر. درس فلسفي رزين، يتجاوز السياسة إلى جوهر الوجود: نحن لا نولد أعداء، بل نصبح كذلك. ويمكننا، في أي لحظة، أن نعود بشرًا.












إصابة ام وابنتها في حريق بالقناطر الخيرية
ضبط عامل لاتهامه بإصابة صاحب مخزن بطعنة نافذة في أوسيم
1 يونيه.. نظر طعن المتهم بالتعدي على الطفل ياسين فى البحيرة
مصرع سيدتين إثر انهيار غرفة بمنزل طيني في أخميم
سعر الذهب اليوم الأحد 19 أبريل 2026 في مصر
تراجع سعر الدولار أمام الجنيه المصري اليوم
استقرار سعر الدولار أمام الجنيه اليوم في البنوك المصرية
أسعار الذهب اليوم في مصر الثلاثاء 14 ابريل