حسين السمنودى يكتب : الاستعمار والاستحمار.. حين يحتل الغريب الأرض ويحتل القريب العقول
ليست كل الكلمات بريئة، فبعضها يُصاغ بعناية ليخفي جريمة، أو ليجمّل قبحًا لا يُحتمل. ومن أخطر هذه الكلمات كلمة "الاستعمار"، تلك التي تبدو في ظاهرها وكأنها مشتقة من "العمران"، أي البناء والتعمير، بينما حقيقتها في التاريخ والواقع لم تكن يومًا إلا مرادفًا للخراب، وسفك الدماء، ونهب الثروات، وتمزيق الشعوب. فالاستعمار لم يأتِ ليبني، بل ليهدم، ولم يدخل أرضًا ليعمرها، بل ليُفرغها من خيراتها ويُحيلها إلى أطلال تخدم مصالحه وحده.
لقد عرفت الشعوب العربية والإفريقية والآسيوية هذا الوجه القبيح للاستعمار، حين جاءت جيوشه محمّلة بالمدافع لا بالمصانع، وبالجنود لا بالعلماء، وبالأوامر لا بالشراكات. لم يكن هدفه يومًا رفعة الشعوب، بل إذلالها، ولم يكن يسعى إلى تنمية البلاد، بل إلى تحويلها إلى مخازن للمواد الخام وأسواق للمنتجات الأجنبية. ترك خلفه حدودًا مشوهة، واقتصادات تابعة، ومجتمعات ممزقة، ونفوسًا مثقلة بجراح لم تندمل.
لكن، وعلى قسوته، لم يكن الاستعمار الخارجي هو الأخطر دائمًا. فثمة وجه آخر أكثر خفاءً وأشد فتكًا، وهو ما يمكن أن نسميه "الاستحمار"، وهو ليس احتلالًا للأرض، بل احتلال للعقل، وليس غزوًا عسكريًا، بل غزو فكري ونفسي وأخلاقي. إنه ذلك النموذج من البشر الذين ينتمون إلى الوطن شكلًا، لكنهم يعملون ضد مصالحه مضمونًا، فيخدمون المستعمر بأدوات محلية، ويؤدون أدوارًا أخطر من الجيوش الغازية.
الاستحمار هو أن يتحول الإنسان إلى أداة، أن يفقد وعيه وإرادته، وأن يُسلّم عقله لغيره، فيردد ما يُملى عليه، ويدافع عن من ينهب بلاده، ويهاجم من يسعى إلى نهضتها. هو أن ترى من أبناء الوطن من يبرر الفشل، ويزيّن التبعية، ويشكك في كل محاولة للنهوض، ويزرع اليأس في النفوس، وكأن مهمته الأساسية هي إبقاء الوطن ضعيفًا، عاجزًا، تابعًا.
والمستحمر ليس بالضرورة جاهلًا، بل قد يكون متعلمًا، مثقفًا، صاحب منبر أو تأثير، لكنه اختار – عن قصد أو عن غفلة – أن يكون في صف من يضر بوطنه. قد يكون مدفوعًا بمصلحة، أو مسكونًا بعقدة، أو مغررًا به عبر أدوات الإعلام والتضليل، لكنه في النهاية يؤدي دورًا خطيرًا في إضعاف الداخل، وهو ما كان الاستعمار يعجز عن تحقيقه بالقوة وحدها.
إن أخطر ما يفعله الاستحمار أنه يخلق بيئة تقبل الاستعمار، بل وتدافع عنه. حين يقتنع الناس أن التبعية قدر، وأن الضعف طبيعة، وأن النهوض مستحيل، فإنهم يسلمون أنفسهم طواعية لأي قوة خارجية. وهنا لا يحتاج المستعمر إلى جيوش، بل يكفيه عقول مُستلبة، ونفوس مهزومة، وأقلام مأجورة.
ولذلك، فإن معركة التحرر الحقيقي لا تكتمل بخروج المستعمر من الأرض، بل تبدأ بتحرير العقول من الاستحمار. فكم من دول نالت استقلالها السياسي، لكنها ظلت أسيرة التبعية الاقتصادية والفكرية، لأن الداخل لم يتحرر بعد، ولأن أدوات الاستحمار لا تزال تعمل، تُعيد إنتاج الهزيمة في صور جديدة.
إن مواجهة الاستحمار تبدأ بالوعي، بالتعليم الحقيقي، بإحياء روح النقد، بزرع الثقة في النفس الوطنية، وبإعلاء قيمة الانتماء الصادق. تبدأ بأن نميز بين من ينتقد من أجل الإصلاح، ومن يهدم من أجل الإضعاف، بين من يختلف بدافع الغيرة على الوطن، ومن يتآمر بدافع المصلحة أو الكراهية.
ولا يعني ذلك رفض العالم أو الانغلاق، بل يعني التعامل معه من موقع الندية لا التبعية، ومن منطلق المصلحة لا الذوبان. فالأمم القوية لا ترفض الآخر، لكنها لا تسمح له بأن يحدد مصيرها، ولا أن يسيطر على قرارها.
إن التاريخ يعلمنا أن الاستعمار لا يستمر إلا بوجود بيئة داخلية تساعده، وأن الاستحمار هو الجسر الذي يعبر عليه المستعمر إلى قلب الوطن. فإذا انهار هذا الجسر، سقطت كل محاولات السيطرة، وإذا استيقظت العقول، انتهى زمن الهيمنة.
وفي الختام، فإن القضية ليست مجرد صراع بين مستعمر غريب ومستعمر منهوب، بل هي معركة وعيٍ بالدرجة الأولى، معركة تحدد مصير أمة بأكملها: هل تكون سيدة قرارها، أم تابعة تُساق من حيث لا تدري؟ إن أخطر ما في الاستعمار أنه قد يرحل بجسده، لكنه يترك ظله في العقول، فإن لم تُطهِّر الأمة هذا الظل، عاد إليها بألف صورة وصورة. وأخطر ما في الاستحمار أنه يجعل الإنسان شريكًا في هزيمة نفسه، حارسًا على ضعفه، ومدافعًا عن قيوده، حتى يظن أن ما هو فيه قدر لا فكاك منه.
إن الأوطان لا تُهزم فقط حين تُحتل أراضيها، بل تُهزم حين تُحتل عقول أبنائها، وحين يُصبح الخائن صاحب رأي، والمضلل صاحب منبر، والمأجور صانع وعي. تُهزم حين يُستهان بالحقائق، ويُستهزأ بالقيم، وتُشوَّه كل محاولة للنهوض، وكأن هناك من أقسم أن يظل الوطن في دائرة العجز والتبعية. وهنا، لا يعود العدو الخارجي هو الخطر الأكبر، بل يتحول الخطر الحقيقي إلى ذلك الداخل الذي يفتح الأبواب، ويُمهد الطريق، ويُزين السقوط على أنه تقدم، والانكسار على أنه واقعية.
لكن الأمل لا يموت، فكما أن الاستعمار لم يستطع أن يكسر إرادة الشعوب حين استيقظت، فإن الاستحمار أيضًا لا يمكنه أن يستمر أمام وعيٍ حيٍّ، وعقلٍ ناقد، وإرادة صلبة ترفض أن تُخدع أو تُستعبد. إن بناء الأوطان لا يكون فقط بالمشروعات والإنجازات، بل يبدأ من بناء الإنسان نفسه، من تحصين وعيه، وتحرير فكره، وغرس الانتماء الحقيقي في قلبه، ليكون درعًا لوطنه لا معول هدم فيه.
فلننتبه… فالمعركة لم تنتهِ، لكنها تغيرت. لم تعد المدافع هي السلاح الوحيد، بل الكلمة، والفكرة، والصورة، والإشاعة، كلها أسلحة أشد فتكًا وأعمق أثرًا. ومن هنا، فإن مسؤولية كل فرد لم تعد تقتصر على الدفاع عن أرضه، بل تمتد إلى الدفاع عن وعيه، وعن وعي من حوله. فإما أن نكون جيلًا يقطع الطريق على كل محاولات الاستحمار، ويُغلق الأبواب في وجه كل استعمار جديد، أو نكون – لا قدر الله – حلقة جديدة في سلسلة الهزيمة.
وستبقى الحقيقة التي لا تقبل الجدل: أمةٌ تعرف عدوها الخارجي يمكنها أن تقاومه، لكن أمةً لا ترى عدوها الداخلي، أو تتغافل عنه، فإنها تهدي مفاتيحها بيدها، وتكتب نهايتها بوعيٍ غائب. فإما وعيٌ يُحرر، أو غفلةٌ تُدمّر… ولا طريق ثالث بينهما.












إصابة ام وابنتها في حريق بالقناطر الخيرية
ضبط عامل لاتهامه بإصابة صاحب مخزن بطعنة نافذة في أوسيم
1 يونيه.. نظر طعن المتهم بالتعدي على الطفل ياسين فى البحيرة
مصرع سيدتين إثر انهيار غرفة بمنزل طيني في أخميم
سعر الذهب اليوم الأحد 19 أبريل 2026 في مصر
تراجع سعر الدولار أمام الجنيه المصري اليوم
استقرار سعر الدولار أمام الجنيه اليوم في البنوك المصرية
أسعار الذهب اليوم في مصر الثلاثاء 14 ابريل