الإثنين 11 مايو 2026 05:22 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

مدحت الشيخ يكتب : شعب بين مطرقة الأسعار وسندان التشريعات

الكاتب الكبير مدحت الشيخ
الكاتب الكبير مدحت الشيخ

في هذا الوطن، لم تعد الأزمة مجرد غلاء أسعار، ولا مجرد موجة تضخم عابرة يمكن التعامل معها بقرارات سريعة أو تصريحات مطمئنة. نحن أمام حالة أشبه بضغط مستمر على صدر المواطن، ضغط لا يهدأ، ولا يترك مساحة لالتقاط الأنفاس.
المشهد أصبح أكثر قسوة من أن يُختزل في رقم أو تقرير اقتصادي. المواطن اليوم لا يعيش "أزمة معيشية" فقط، بل يعيش حالة استنزاف يومي، تتآكل فيها قدرته على الاحتمال قبل قدرته على الشراء.
الأسعار لم تعد ترتفع.. بل تنفلت.
والدخل لم يعد ثابتًا.. بل متآكلًا بالقيمة لا بالرقم.
والحياة لم تعد صعبة.. بل أصبحت اختبارًا مفتوحًا للصبر.
لكن الأخطر من الأسعار نفسها، هو ذلك الإحساس المتنامي بأن القرارات والتشريعات تتحرك في مسار منفصل عن الأرض التي يقف عليها الناس.
تشريعات تُولد سريعًا، تُعلن بسرعة أكبر، ثم تُترك لتصطدم بواقع لا يشبهها. قوانين تُفترض فيها الحماية، لكنها في كثير من الأحيان تتحول إلى طبقة إضافية من التعقيد فوق حياة مرهقة أصلًا.
المشكلة ليست في وجود التشريع.. فالدولة لا تُدار بلا قانون، ولا تستقيم بلا إطار تنظيمي.
لكن الخلل حين يفقد التشريع بوصلته الاجتماعية، فيتحول من أداة ضبط إلى عبء، ومن وسيلة تنظيم إلى عنصر ارتباك.
هناك فجوة تتسع يومًا بعد يوم بين "ما يُكتب في النصوص" و"ما يُعاش في البيوت".
بين لغة الأرقام في الموازنات، ولغة الأنين في الشارع.
بين من يصيغ القرار، ومن يتحمل نتيجته.
المواطن الذي يُطلب منه الصبر لم يعد يجد ما يصبر عليه أصلًا.
فالصبر يفترض وجود أمل، لكن حين تصبح كل خطوة في الحياة مدفوعة الثمن بأضعاف قدرتك، يتحول الصبر إلى مجرد انتظار طويل بلا ضمانات.
الأسرة المصرية اليوم لا تُفكر في تحسين مستوى المعيشة، بل في تثبيت الحد الأدنى للبقاء.
الإنفاق لم يعد اختيارًا، بل تقنينًا قاسيًا لأولويات قهرية: غذاء، دواء، تعليم، ومواصلات.. وما تبقى ليس رفاهية، بل رفاهية الوجود نفسه.
وفي قلب هذا المشهد، يصبح السؤال مشروعًا ومؤلمًا في آن واحد:
من يوازن بين الحاجة إلى التشريع، والحاجة إلى الرحمة الاجتماعية في التشريع؟
البرلمان، في فلسفته الأصلية، ليس مجرد جهة إصدار قوانين، بل هو مرآة المجتمع.
وحين تتحول هذه المرآة إلى انعكاس ناقص، أو منفصل عن الواقع، تبدأ الثقة في التآكل، لا في مؤسسة واحدة، بل في الفكرة كلها.
لا أحد يطلب تعطيل التشريع، ولا أحد ينادي بالفوضى، لكن الناس تطلب شيئًا أبسط وأعمق: أن تُقاس القرارات بمدى قدرتها على الحياة، لا بمدى اتساقها النظري فقط.
إن أخطر ما يمكن أن يصل إليه أي مجتمع، ليس الغلاء وحده، بل الاعتياد على الألم.
حين يصبح ارتفاع الأسعار خبرًا عاديًا، وحين يصبح العجز الشهري نمط حياة، وحين يتحول الضغط إلى حالة دائمة لا تُناقش، بل تُتعايش.
هنا فقط، تتغير المعادلة من أزمة اقتصادية إلى أزمة إنسانية في جوهرها.
المطلوب ليس شعارات، ولا وعودًا، ولا مسكنات مؤقتة.
المطلوب إعادة ضبط العلاقة بين القرار والشارع، بين التشريع والواقع، بين الدولة والمواطن.
لأن الدولة القوية ليست التي تُصدر قوانين أكثر، بل التي تُصدر قوانين أقل قسوة، وأكثر التصاقًا بحياة الناس.
وفي النهاية، يبقى السؤال الذي لا يملك ترف التأجيل:
إلى متى يظل المواطن هو نقطة التقاطع الوحيدة بين مطرقة الأسعار وسندان

مدحت الشيخ شعب بين مطرقة الأسعار وسندان التشريعات الجارديان المصريه