الإثنين 11 مايو 2026 05:23 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

حسين السمنودى يكتب: ماليش دعوة

الكاتب الكبير حسين السمنودى
الكاتب الكبير حسين السمنودى

في وقتٍ أصبحت فيه الحياة مليئة بالضغوط والمشاكل والكلام الكثير والتفاصيل التي لا تنتهي، بدأ الإنسان يكتشف شيئًا مهمًا جدًا… أن راحة البال ليست رفاهية، وأن الهدوء النفسي لم يعد شيئًا عاديًا، بل أصبح نعمة حقيقية لا يعرف قيمتها إلا من عاش سنوات طويلة وسط الوجع والتوتر والقلق واستنزاف الأعصاب.
فالحقيقة التي لا يريد البعض الاعتراف بها هي أن الإنسان يتعب أحيانًا ليس بسبب مشاكله الحقيقية، بل بسبب دخوله في أمور لا تخصه، وانشغاله بأشخاص لا يستحقون، وتفكيره الزائد في كلام الناس، ومحاولاته المستمرة لإرضاء الجميع، وكأن الدنيا ستقف إذا غضب منه أحد أو تكلم عليه شخص أو أساء فهمه إنسان.
وهنا تبدأ المأساة الحقيقية… حين يتحول الإنسان إلى كتلة من التوتر، ينام وهو يفكر، ويستيقظ وهو يفكر، ويأكل وهو يفكر، ويحمل فوق رأسه هموم الدنيا كلها، بينما أغلب تلك الأمور لا تستحق أصلًا كل هذا الحرق للأعصاب.
كم من شخص خسر صحته بسبب التفكير الزائد؟ وكم من إنسان تغيّرت ملامحه مبكرًا لأنه يحمل بداخله ضغوطًا فوق احتماله؟ وكم من قلبٍ تعب لأنه أعطى اهتمامًا لأناس لا يعرفون معنى التقدير؟ الحقيقة أن بعض البشر لا يستحقون حتى دقيقة واحدة من راحة بالك، ومع ذلك تجد نفسك تستهلك عمرك كله بسبب تصرفاتهم وكلامهم ومشاكلهم التي لا تنتهي.
هناك نوع من الناس يعيش على صناعة الفوضى، إذا هدأت الأمور أشعلها، وإذا اختفت المشاكل اخترع غيرها، وإذا رأى شخصًا مرتاحًا حاول أن يسحب منه راحته بأي طريقة. هؤلاء لا يريدون حلولًا، بل يريدون فقط أن ينقلوا تعبهم للآخرين، وأن يجعلوا الجميع يعيشون في نفس دوامة القلق التي يعيشون فيها.
ولهذا أصبح من الحكمة أن يعرف الإنسان متى ينسحب، ومتى يصمت، ومتى يتجاهل، ومتى يقول بكل هدوء: “ماليش دعوة”.
ماليش دعوة بمن يتعمد استفزازي، ماليش دعوة بمن ينقل الكلام، ماليش دعوة بمن يراقب حياتي وكأنه مسؤول عنها، ماليش دعوة بمن لا يرى الخير مهما فعلت، ماليش دعوة بمن لا يعيش إلا على النقد والتقليل والإحباط. لأن الإنسان لو أعطى كل شخص من أعصابه ووقته وصحته فلن يتبقى منه شيء.
ليس مطلوبًا منك أن تدخل كل نقاش، ولا أن ترد على كل كلمة، ولا أن تشرح نفسك لكل إنسان، ولا أن تثبت حسن نيتك لكل من حولك. فبعض الناس حتى لو فعلت المستحيل من أجلهم سيظلون يرونك مخطئًا، وبعضهم لا يريد أن يفهمك أصلًا، بل يريد فقط أن يراك متعبًا ومشغول البال.
والأغرب أن كثيرًا من المشاكل التي يستهلك الناس أنفسهم بسببها لا يكون لها أي قيمة بعد فترة قصيرة. أشياء كانت تُشعل الغضب يومًا ما تصبح بعد شهور مجرد ذكرى سخيفة لا تستحق حتى التفكير فيها. لذلك فالعاقل هو من يتعلم مبكرًا ألا يعطي كل موقف أكبر من حجمه، وألا يسمح لكل شخص بالدخول إلى أعصابه وعقله وقلبه.
التجاهل أحيانًا راحة، والابتعاد أحيانًا نجاة، والصمت أحيانًا قوة لا يفهمها إلا من نضج بما يكفي. لأن الرد على كل شيء يرهق، والدخول في كل معركة يتعب، ومحاولة كسب الجميع معركة خاسرة من البداية.
الحياة ليست طويلة كما نظن، والعمر لا يحتمل كل هذا الاستنزاف اليومي. هناك أشياء أولى باهتمامك؛ صحتك، أهلك، مستقبلك، رزقك، راحتك النفسية، أحلامك التي تأجلت بسبب انشغالك بالناس ومشاكلهم وكلامهم الذي لا ينتهي. أما أن تعيش طوال الوقت في حالة توتر بسبب من قال ومن فعل ومن يقصد، فهذه ليست حياة بل استهلاك بطيء للروح.
كم من إنسان دخل في مشاكل لا تخصه فخسر راحته وعلاقاته وأيامه الجميلة؟ وكم من شخص كان يمكن أن يعيش سعيدًا لو تعلم منذ البداية أن يتجاهل بعض الأمور بدل تضخيمها؟ وكم من البيوت خربت بسبب التدخل الزائد وكثرة الكلام ونقل الأحاديث وتحليل النوايا؟
لقد تعب الناس من الضجيج، وتعبوا من التمثيل، وتعبوا من العلاقات الثقيلة التي تستهلك المشاعر دون مقابل. لذلك أصبح أكثر الناس حكمة هم أولئك الذين يعرفون كيف يحافظون على هدوئهم، وكيف يبتعدون عن كل ما يؤذيهم نفسيًا، وكيف يعيشون ببساطة دون صراعات لا تنتهي.
فليس كل شيء يستحق الغضب، وليس كل شخص يستحق أن نحزن لأجله، وليس كل موقف يحتاج إلى رد فعل. أحيانًا تكون أعظم قوة يملكها الإنسان هي قدرته على الانسحاب بهدوء، وإغلاق الباب دون ضجيج، وحماية نفسه من المعارك الرخيصة التي لا تضيف إلى حياته شيئًا سوى التعب.
وفي النهاية، لا بد أن يفهم الإنسان حقيقة مهمة جدًا يغفل عنها الكثيرون، وهي أن ضغط الأعصاب المستمر ليس بطولة، والحزن الدائم ليس دليلًا على الوفاء، والتفكير الزائد لن يغيّر شيئًا كتبه الله، بل قد يسرق منك صحتك وعمرك وراحة قلبك دون أن تشعر.
فكم من إنسان كان يظن نفسه قويًا وهو يتحمل فوق طاقته، حتى سقط فجأة من كثرة الضغوط؟ وكم من شخص عاش عمره كله قلقًا على الناس ومشاكلهم، ثم اكتشف في النهاية أن أحدًا لم يشعر أصلًا بحجم ما كان يحمله بداخله؟ الحقيقة القاسية أن الدنيا لا تتوقف على أحد، وأن الإنسان عندما يتعب أو يمرض أو تنهار أعصابه لن يحمل عنه أحد هذا الألم.
الناس في النهاية سيكملون حياتهم، أما أنت فستبقى وحدك تواجه نتيجة الضغط والتوتر والتفكير والحرق اليومي للأعصاب. لذلك لا تجعل نفسك مشروعًا دائمًا للقلق، ولا تسمح لأحد أن يستهلك صحتك النفسية من أجل أمور لا تستحق.
ضغط الأعصاب ليس أمرًا بسيطًا كما يظن البعض، بل هو باب واسع للتعب الحقيقي؛ يسرق النوم، ويطفئ راحة القلب، ويحوّل الإنسان إلى شخص مرهق حتى وهو صامت، وقد يفتح الطريق لأمراض كثيرة لا تأتي فجأة، بل تتراكم ببطء مع كثرة الزعل وكتمان الغضب والتفكير المستمر.
هناك من يضحك أمام الناس بينما بداخله حرب لا تهدأ، وهناك من يبدو قويًا لكنه في الحقيقة ينهار كل ليلة من كثرة ما يحمل فوق قلبه، فقط لأنه أعطى لكل شيء أكبر من حجمه، ولكل شخص أكثر مما يستحق.
لذلك تعلّم أن تخفف عن نفسك، وأن تبتعد عن كل ما يؤذي روحك، وأن تترك بعض الأمور تمر دون تدخل، فليس كل شيء يحتاج إلى رد، وليس كل مشكلة تستحق أن تخسر بسببها أعصابك وصحتك وعمرك.
لا تُرهق نفسك لإرضاء البشر، لأن رضا الناس غاية لا تُدرك، ولا تحزن على من لا يقدّرك، ولا تدخل معارك لإثبات قيمتك، فالقيمة الحقيقية لا تحتاج إلى صراخ ولا إلى تبرير.
اهتم بنفسك قليلًا… بصحتك… بقلبك… بنومك… براحتك النفسية… لأنك حين تسقط من التعب لن تجد الكثيرين حولك كما كنت تتخيل. وقتها ستكتشف أن أعصابك التي أحرقتها من أجل الجميع لم تنفعك، وأن الذين كنت تقلق لأجلهم عاد كل واحد منهم إلى حياته وكأن شيئًا لم يكن.
ولهذا كان العقلاء دائمًا أكثر هدوءًا، لأنهم فهموا سر الحياة مبكرًا… فهموا أن الراحة ليست في كثرة الانشغال، بل في تقليل الهموم، وأن النجاة أحيانًا تكون في التجاهل، وأن السلام النفسي أهم من الانتصار في أي معركة لا قيمة لها.
عش حياتك ببساطة، ولا تحمل فوق قلبك ما لا تطيق، واترك الأيام تمضي كما أراد الله لها، وخذ من الدنيا ما يكفيك من الهدوء والسكينة، لأن العمر أقصر من أن نضيعه في الزعل والضغط والتفكير في أناس قد لا يتذكرون أصلًا كم تعبنا من أجلهم.
وفي لحظة صدق مع النفس، سيعرف الإنسان أن أفضل قرار يمكن أن ينقذ عمره وصحته وأعصابه هو أن يبتعد عن كل ما يؤذيه، وأن يقول لبعض الأمور وبعض البشر بكل راحة وثبات:
ماليش دعوة… لأن صحتي وراحتي النفسية أهم من أي شيء في هذه الدنيا.

ماليش دعوة حسين السمنودى الجارديان المصريه