الثلاثاء 12 مايو 2026 10:17 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

وصفى هنرى يكتب من فيينا : أهل الكهف

الكاتب الكبير وصفى هنرى
الكاتب الكبير وصفى هنرى

بينما كنت أُقلب في قنوات التلفزيون للبحث عن فيلم أشاهده ، وقعت عيني على مشاهد لفيلم به قتال في حلقة مصارعة كالتي كانت تحدث في أفلام هوليوود كفيلم "سبارتاكوس" وغيره.. تابعت بقية الفيلم بشغف حتى نهايته ، لكن كان فاتني ثلاث أرباعه ، فقررت مشاهدته كاملاً على أحد المواقع ، ولما تابعت أخباره ، علمت أنه كان من أضعف الأفلام من حيث الإيرادات رغم عرضه في عيد الأضحى عام ٢٠٢٤ ولم يأخذ حقه في الدعاية والنقد ، أما أنا فأرى أنه من أروع ما أنتجته السينما المصرية منذ إنشائها .
فيلم (أهل الكهف) فانتازيا ليس مجرد إعادة تقديم لنص أدبي قديم كتبه توفيق الحكيم ، بل هو محاولة لإحياء سؤال إنساني وفلسفي ظل حيًا عبر الزمن ، ماذا يحدث للإنسان عندما يستيقظ ليجد أن الزمن الذي يعرفه لم يعد موجودًا ؟
الفيلم الذي أخرجه عمرو عرفة يبدو منذ بدايته وكأنه عمل صُنع بعناية شديدة ، لا على مستوى القصة والسيناريو فقط الذي صنعه بحرفيه للغه المصرية أيمن بهجت قمر ، بل على مستوى الصورة بكل تفاصيلها . الديكورات ليست مجرد خلفيات ، بل عالم متكامل له وزن وملمس وتاريخ ، الحجر والخشب والفراغات الواسعة كلها تبدو حقيقية ، وكأننا أمام زمن أعيد بناؤه لا تمثيله فقط .
تجسد هذا الإتقان في البداية مع الملك "ديكيانيوس" (الذي قام بدوره الفنان الراحل مصطفى فهمي)، حيث ظهرت ملامح عصره في ديكورات القصر التي تعكس جبروت السلطة { الوثنية } وقسوتها . أداء مصطفى فهمي بشخصية الملك المستبد كان مفتاحاً هاماً لفهم سبب هروب الأبطال الذين اعتنقوا المسيحية من بطش الإمبراطور الوثني ، فهو يمثل "الزمن القامع" الذي يطارد الفكرة ويحاول سحق الإيمان ، وحضوره جعل من لحظة اللجوء للكهف ضرورة حتمية للنجاة .
الملابس أيضًا تلعب دورًا مهمًا في تشكيل هذا الإحساس ، فهي امتداد نفسي للشخصيات نفسها ، تجعل كل شخصية تبدو وكأنها خرجت فعلًا من زمنها الطبيعي. هذا الانسجام بين الشكل والمحتوى يعطي الفيلم مصداقية بصرية نادرة في السينما التاريخية المصرية . أما الموسيقى التصويرية فهي تتحرك بهدوء ، كأنها ظل خفيف يرافق الفكرة دون أن يطغى عليها ، مما يدفع المشاهد إلى الإحساس بثقل الزمن بدلًا من سماعه فقط.
وعندما يستيقظ الأبطال من رقدتهم الطويلة، ننتقل من زمن "ديكيانيوس" القاسي إلى زمن الملك "ثيودوسيوس" (الذي قام بدوره الفنان بيومي فؤاد). وهنا تظهر براعة المفارقة ، فبينما كان الملك الأول يطاردهم للقتل ، نجد الملك الثاني يستقبلهم كقديسين يتبرك بهم الجميع . قدم بيومي فؤاد دور الملك في العصر الجديد بلمحة من الوقار الممزوج بالدهشة ، ليعكس لنا كيف تحول "المطاردون" إلى "أساطير" في نظر السلطة الجديدة . هذا التباين بين الملكين يختصر رحلة الـ ٣٠٠ عام التي ناموا فيها في الكهف ، من كفر يطارد الإيمان ، إلى إيمان يحتفي بالمعجزة لكنه لا يستطيع استيعاب أصحابها كبشر .
من أكثر عناصر الفيلم إثارة للانتباه أيضًا مشاهد المعارك ، التي جاءت قوية وحقيقية بشكل يذكّر بروح أفلام الملاحم الكلاسيكية مثل Spartacus و Ben-Hur .
لا يعتمد الفيلم على الإبهار الرقمي السريع ، بل على حركة البشر داخل الكادر ، وعلى الإحساس الجسدي بالاصطدام والخوف والتعب .
أداء الممثلين جاء داعمًا لهذه الفكرة ، حيث قدم خالد النبوي شخصية تحمل ثقل الماضي وإصرار التمسك بما انتهى، بينما جسد محمد ممدوح الصدمة الإنسانية أمام عالم لا يشبهه ، وقدمت غادة عادل إحساسًا عميقًا بالحنين ، ونجح أحمد عيد في إدخال لمسات إنسانية خفيفة داخل عالم ثقيل فلسفيًا ، لكن الأداء الذي يظل حاضرًا بقوة هو أداء صبري فواز في دور الوزير ، الأداء قائم على الصمت والنظرة والتحكم في الانفعال ، وكأن الشخصية تدرك أن السلطة الحقيقية تكمن في فهم أن الزمن لا يمكن مقاومته .
ومن أكثر الخطوط الدرامية التي تحمل دلالة رمزية واضحة شخصية التوأم "نار ونور" التي قدمها محمد فراج ، حيث تعكس فكرة الانقسام الداخلي للإنسان نفسه أمام الزمن والتحول ، ومع تطور الأحداث يسقط "نور" في لحظة تختلط فيها الفكرة بالدم ، ويتحول الانقسام الداخلي إلى مأساة مكتملة ، وكأن الفيلم يقول إن التوازن نفسه لا ينجو دائمًا في عالم قاسٍ .
وفي اللحظة نفسها ينتهي مصير شخصية "بولا" (محمد ممدوح)، وتأتي الجملة الصادمة التي ينطق بها "سبيل" (خالد النبوي): «لا حياة للقديسين وسط هذا العالم» ، وهي جملة تختصر رؤية الفيلم للعالم كله ، حيث يصبح الصراع بين النقاء الإنساني وبين واقع لا يسمح ببقائه .
في النهاية ، وبعد اكتمال دائرة العنف والفقد ، يختار معظم الناجين العودة إلى الكهف مرة أخرى ، وكأنهم يرفضون مواجهة عالم لم يعد يتسع لهم أو لأفكارهم أو لبراءتهم الأولى ، وحده الطفل “سام” (أحمد بدير) يبقى على قيد الحياة، ليصبح الشاهد الأخير، ورمزاً للذاكرة والاستمرار، وكأن الحكاية كلها تنتقل إليه ليحملها للناس.
بذا المعنى، لا يقدم "أهل الكهف" حكاية تاريخية أو دينية فقط، بل يقدم تجربة عن الزمن والهوية والانقسام الإنساني .
الرسالة الأكثر قسوة التي يتركها الفيلم في وجداننا ، هي تلك الصدمة التي تعقب الاستيقاظ ، حين يكتشف الإنسان أنه صار غير مرئي . نحن هنا لا نتحدث فقط عن رجال ناموا لقرون ، بل عن وجع الاستفاقة على واقعٍ لم نعد فيه الأمة التي يحج إليها العالم ، ولا الأمة التي تقود الركب ، بل مجرد هوامش في كتاب لا نعرف لغته .
لقد اكتشف أبطال الكهف أن العالم تجاوزهم ، وأن دورهم التاريخي قد انتهى ، ولم يتبقَّ لهم سوى أن يكونوا (أيقونات) للعرض لا شركاء في الصنع . وهنا تكتمل المأساة ، حين يدرك الإنسان أن العودة ليست دائماً عودة إلى الحياة ، بل قد تكون عودة إلى الغربة في أقسى صورها.. أو انسحاباً اختيارياً إلى الكهف من جديد ، حيث الصمت أرحم من رؤية الانكسار .

وصفي هنري
ڤيينا ٣ بشنس ٦٢٦٧
الثلاثاء ١٢ مايو ٢٠٢٦

5c032a869519.jpg
وصفى هنرى أهل الكهف الجارديان المصريه