الأربعاء 13 مايو 2026 03:15 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

د.محمد هناء الدين يكتب: ازدواجية المعايير في خطاب المساواة بين الرجل والمراة

الكاتب والفنان الكبير د. محمد هناء الدين
الكاتب والفنان الكبير د. محمد هناء الدين

تتصاعد الأصوات المنادية بالمساواة المطلقة بين الرجل والمرأة، رافعة شعارات من قبيل "لا قوامة" و"المساواة الكاملة في الحقوق والواجبات"، ومطالبة بإسقاط كل ما يميز بين الجنسين في الأحكام الشرعية والقانونية. غير أن المتأمل في تفاصيل هذا الخطاب يصطدم بتناقض صارخ: إنها ازدواجية معايير تنتقي من المنظومة الحقوقية ما يناسبها، وتتغاضى عما يفرضه المنطق ذاته من واجبات متوازنة.
حين يرد ذكر القوامة في النص القرآني، يُسرع هؤلاء إلى وسمها بأنها وصاية وتسلط، ويدعون إلى إلغائها بذريعة أنها تكرس دونية المرأة. لكنهم يتجاهلون – عن قصد أو عن جهل – أن القوامة في مفهومها الإسلامي ليست شرفا ولا استعلاء، بل هي مسؤولية وتكليف، قوامها واجب مالي صارم يقع على كاهل الرجل وحده: تجهيز مسكن الزوجية بما يليق، وتأثيثه من ماله الخاص، وتقديم الصداق بشقيه المعجل والمؤخر، وتحمل نفقات المعيشة من مأكل ومشرب وكسوة وعلاج، دون أن تشاركه المرأة في ذلك ولو كانت غنية موسرة.
أين المساواة في الأعباء المالية؟
حين يطالب هؤلاء بالمساواة، فأول ما يتبادر إلى الذهن أن المساواة تعني تناصف الأعباء والواجبات، لا انتقاء الحقوق فقط. فإن كانت المرأة – وفق رؤيتهم – ندّا للرجل، شريكة له في القرار والولاية داخل الأسرة، فمن باب أولى أن تكون شريكة له في حمل التكاليف المالية التي يقوم عليها كيان الأسرة. لكن الواقع أن الخطاب ذاته يخرس تماما حين يتعلق الأمر بدفع الإيجار أو شراء المفروشات أو دفع المهر أو الإنفاق الشهري. بل يتحول فجأة إلى خطاب تقليدي صرف، يُذكّر فيه الرجل بأن هذه "واجبات شرعية" لا يجوز له التهاون فيها
إن الجمع بين المطالبة بإلغاء القوامة من جهة، والإصرار على احتفاظ المرأة بكامل حقوقها المالية دون أدنى التزام مقابل من جهة أخرى، لهو ضرب من العبث الفكري الذي لا يصمد أمام أبسط قواعد العدالة. إذا كانت القوامة "ظلما" و"تسلطا" كما يدّعون، فالواجب المنطقي أن يُرفض معها كل ما ترتب عليها من أعباء ملقاة على الرجل، وأن يُصار إلى نموذج مالي تشاركي يقتسم فيه الزوجان كل شيء مناصفة، من الصداق إلى ثمن رغيف الخبز. أما أن نلغي المسؤولية ونبقي على الامتياز، فتلك هي الأنانية الفجة التي تلبس ثوب الحقوق الزائف.
لا يُنكر عاقل أن للمرأة حقوقا مصانة، وأن الظلم واقع في مواضع كثيرة يحتاج إلى تقويم. لكن الإصلاح الحقيقي لا يكون بمحو التكاليف والواجبات عن طرف وإلقائها على طرف آخر تحت يافطة المساواة، بل باحترام التكامل العادل بين الجنسين. إن المساواة الحقة تقتضي إما الإقرار بمنظومة متكاملة الحقوق والواجبات، أو تطبيق مبدأ التناصف على الجميع دون انتقاء. وما لم يحدث ذلك، سيبقى هذا الخطاب أسير ازدواجية معايير تفضحه أفعاله قبل أقواله.

د.محمد هناء الدين ازدواجية المعايير في خطاب المساواة بين الرجل والمرأة الجارديان المصريه