الأربعاء 13 مايو 2026 11:29 مـ
الجارديان المصرية

رئيس مجلس الإدارة ورئيس التحرير عبد النبى عبد الستار

مقالات

زكريا سليمان يكتب : تأملات في آية من رسالة الله الخالدة (7)

الكاتب الكبير زكريا سليمان
الكاتب الكبير زكريا سليمان

نعم إن استراتيجيات التعلم التي قدمها علماء التربية فائقة الروعة ، ولا غبار عليها ، ولكنها مازالت في أدراج المكاتب محنطة ، أو كأنها في غرفة العناية
المركزة لا تموت فيها ، ولا تحيى ، ولذا مازالت المدارس، والجامعات تعانى من تخريج أنصاف المتعلمين إلا ما ندر منهم .. أما استرتيجيات التعلم في الإسلام ، والتي كان لها السبق ، والانفراد لتلكم الاستراتيجيات ، بل والزيادة عليها ، بالرغم أنها من أكثر من قرن ، ونيف من الزمان ، لكنها لها الأثر البالغ على الفرد والمجتمع ، بل وعلي العالم بأسره ، فلم يكن خرّيجوها دراويش يرتدون الرثّ من الثياب ، ويمشون في شوارع البصرة ، والكوفة ، وهم يأكلون الخبز اليابس ، ولم يكونوا سذّج في فهم دينهم ، يطلقون لحاهم ، ولا عمل لهم سوى المكوث في
المساجد فقط .. يصلون بخشوع ، ويقيمون الليل بصلابة ، ويصومون الدهر بجلادة ، وينتظرون من يطعمهم ، ويسقيهم ، ولم يكونوا عابثى الوجه ، يكفرون
هذا ، ويفسّقون ذاك ، ويعتدون على من خالفهم في الدين بالضرب ، والتنكيل ،
والقتل ، ليس كل ذلك مطلقا ، بل هم نماذج حضارية فريدة ، ومتميزة ، إنهم قد فهموا الإسلام فهما حقيقيا .. شكلا ، وموضوعا .. جوهرا ، ومظهرا ،بينما كانت
أوروبا تعيش في ظلمات الجهل ، والتخلف والاستبداد ! وحتى لا يطلق هذا الكلام
على عنانه ، فلابد أن تكون هناك أدلة جوهرية على ذلك ، وليست أدلة قشرية لا طعم لها ، ولا رائحة .. نعم إن العلماء في العصر العباسى ، وما قبلها ، كانوا عباقرة بمعنى الكلمة ، فإنهم لم يبرعوا في علم واحد كما هو الآن لعلماء هذا العصر ، بل الواحد منهم كان بارعا في أكتر من علم ، كأن يكون عالما في اللغة، والحديث ، والطب ، الفقه ، والجغرافيا ، والفلك ، والفلسفة ، والعلوم الطبيعية ، كل ذلك في آن واحد ! فكل واحد منهم بمثابة موسوعة علمية تمشى على الأرض بين الناس ، أو كأنه جهاز محرّك للبحث "جوجال" كلما ضغطت على ذره لتسأله عن معلومة ما ، أجابك دون عناء ، أو تردد ، أو تعسّر ! وسأضرب نموذحا واحدا
فقط من هؤلاء العلماء الأفذاذ عباقرة كل عصر ، ومصر ، وهو العلّامة
"الرازى" فقد برع في الطب ، وكان رائدا في طب الأطفال ، والتوليد ، وأمراض
العيون ، وهو أول من فرق بين مرضى الجدري ، والحصبة ، وهو مؤسس الطب
الإكلينيكى ،ومؤسس علم الجبر ، وعلم المثلثات كما نبغ في العلوم الفيزيائية ،
وعلم الفلسفة ، والصيدلة ، والمنطق ، والكيمياء ، وله أكثر من مائة كتاب !
وهنا أطرح بعض الأسئلة التي تداعبنى ، متى تعلم كل هذه العلوم ؟ ! وكيف نبغ وألّف ، وكتب فيها .. في الوقت الذى لم يكن في عصره مصابيح كهربائية ، ولا
يملكون التقنيات الحديثة التى نملكها نحن الآن ؟ ! ويا ترى من أي جامعة تخرج
ذلكم العبقرىّ الفذ ؟ ! إنه لم يتخرج من أرقى جامعات العالم ، كجامعة "هارفرد"أو جامعة "كمبريدج" ولا من جامعة " أكسفورد" ! بل هم صبية له ، وتلاميذ عنده ، لأنهم ببساطة شديدة قد نهلوا من عبقريته ، ومن علمه الفذ ، ولولاه هو ،وأمثاله لكانت أوروبا لم تزل تترنح كالسكارى في البيداء ، وتتحسس طريقها الحالك في الظلمات ، لا يعرفون أين يذهبون ؟ ولا لأى وجهة يتجهون ؟ ! كما أن البعض من هؤلاء العلماء الأفذاذ قد أنشأوا علوما جديدة لم تكن موجودة
من قبل ، وقدموا إسهامات جليلة في كثير من المناهج البحثية ! فعلى سبيل المثال "جابر بن حيان" مؤسس الكيمياء الحديثة ، و "ابن خلدون" وضع علم الاجتماع ، و"ابن البيطار" مؤسس علم الصيدلة ، كما أسس "الخليل بن أحمد
الفراهيدى" علم العروض ، وفى عصر التابعين يُعتبر "أبو الأسود الدؤلىّ"
مؤسس "علم النحو" نعم إنهم عباقرة بمعنى الكلمة ، ودون أية مبالغة ، أو منازعة ، وإنهم قد تتلمذوا على يد من كان قبلهم من جهابذة العلم ، والورع ،إلى أن وصل بهم إلى المعلم الأكبر ، رسول الله ﷺ الذى عرف الله حق المعرفة ، وعرف مراده ، واتّبع منهجه ، أليس ذلكم هو التحضر الكامل ، والتقدم التام حقا
لا ادّعاءا ، وصدقا لا خيالا ؟ ! إنهم قد اتقوا الله ، فوسّع الله مداركهم للعلم ،
والفهم ، فوصلوا إلى ما وصلوا إليه ، يقول تعالى " وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ ۗ وَاللَّهُ
بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيم" كما أن التخلف ، والجهل في مخالفة أوامر الله ، ومعصيته ،
ولذا أنشد الشافعىّ قائلا :شَكَوتُ إِلى وَكِيعٍ سوءَ حِفظي فأرشَدني إِلى تَركِ المَعاصي
وأخبرني بِأنَّ العلمَ نورٌ ونورُ اللّهِ لا يُهدى لِعاصي..

زكريا سليمان. تأملات في آية من رسالة الله الخالدة (7) الجارديان المصريه