د. حسين منصور مؤسس ورئيس هيئة سلامة الغذاء الأسبق يكتب : نقاش أكبر من طبيب
حين يغيب السؤال الحقيقي عن الجدل كله في “نقاش ماذا نأكل”؟
في السنوات الأخيرة، تحول الغذاء من مسألة يومية بسيطة إلى ساحة جدل لا تهدأ، تتداخل فيها الطب، والتغذية، والإعلام، وتجارب الأفراد، وحتى المعتقدات الشخصية، فكل يوم يظهر من يحذر من طعام اعتددناه لعقود، وآخر يدعو إلى نظام غذائي يراه الطريق الوحيد للصحة، بينما تتغير التوصيات وتتصادم الدراسات وتنتشر الآراء بسرعة تفوق قدرة الناس على التمييز بين العلم والانطباع.
وبين الدعوات إلى الامتناع عن السكر أو القمح أو الزيوت أو اللحوم، وفي مقابل أنظمة ترفع شعار العودة إلى الغذاء الطبيعي أو الاعتماد الكامل على النبات أو البروتين الحيواني، أصبح الإنسان المعاصر محاصرا بسؤال يومي مربك: ماذا نأكل حقا؟ وما الذي صمم الجسد البشري ليتعامل معه بصورة طبيعية ومتوازنة؟
هذه المقالة لا تسعى إلى تسويق نظام غذائي بعينه، ولا إلى مهاجمة آخر، بل محاولة العودة خطوة إلى الوراء، نحو السؤال الأساسي الذي يسبق كل الجدل، كيف خلق الإنسان بيولوجيا ووظيفيا ليتغذى؟
في مطلع هذا القرن، أشعل الدكتور روبرت أتكينز الجدل بنظامه الغذائي الشهير القائم على تقليص، كربوهيدرات بشكل حاد وإطلاق العنان للحوم والدهون، ولعلة تأثر بطبيعة الحيوانات المفترسة، تلك الكائنات التي تعيش على اللحم ودهونها وحدها. في المقابل، تذكرنا الطبيعة بمثال آخر صارخ: المجترات، كالأبقار والأغنام، التي لو أكلت اللحم لأصيبت بأمراض عصبية مدمرة كجنون البقر، لأن تركيبتها البيولوجية لا تعرف اللحم واذا اكلته مرضت فلا يطيقه جسمها .
الإنسان ليس من آكلي اللحوم المتخصصة ولا من آكلي النباتات فقط، بل يعد كائنا قادرا على الاستفادة من الغذاء النباتي والحيواني معا، وتظهر تركيبة أسنانه هذا التكيف، إذ تجمع بين القواطع المناسبة لتقطيع النباتات وأنياب محدودة التطور مقارنة بالحيوانات المفترسة، كما أن أمعاءه متوسطة الطول نسبيا، فهي أطول من أمعاء كثير من آكلات اللحوم وأقصر من أمعاء العواشب المتخصصة، ويحتوي لعاب الإنسان على إنزيم الأميليز الذي يبدأ هضم النشويات منذ الفم، وهو نشاط يكون محدودا لدى كثير من الحيوانات التي تتغذي علي اللحوم، كذلك يتميز جهازه الأيضي والهرموني بقدرته على التعامل مع أنماط غذائية متنوعة، مما يعكس الطبيعة الوسطية للإنسان.
وهنا يكمن الغياب الكبير في أي نقاش عن الغذاء، حين نتجاهل هذه الحقيقة التشريحية الأساسية ونبحث عن نموذج مثالي عند الأسد أو عند البقرة، فنحن نبني منظومتنا الغذائية على أساس خاطئ من البداية.
لكن، حتى لو أجبنا على سؤال التركيبة البيولوجية للإنسان وحددنا النظام الغذائي المثالي نظريا، يبقى سؤال آخر أشد خطورة وأكثر إلحاحا، هل الطعام الذي نناقشه اليوم هو نفس الطعام الذي بنيت عليه هذه النظريات؟
الواقع يقول لا، ما يصل إلى طبقنا اليوم يحمل معه حملا ثقيلا من الملوثات، المبيدات الزراعية لوحدها ليست مشكلة واحدة، بل مشكلات متعددة، فلكل نوع من المبيدات تأثير مختص على عضو بعينه أو جهاز بعينه في الجسم، وحين تخلط هذه المبيدات، كما يحدث في الواقع اليومي حتي بدون قصد سيئ، نكون أمام تفاعلات مجهولة العواقب حتى على أهل التخصص أنفسهم.
وإلى جانب المبيدات، تتربص الملوثات الميكروبية من بكتيريا وفيروسات وفطريات متنوعة، لكل منها قصة مختلفة مع أعضاء الجسم، ثم تأتي متبقيات الأدوية البيطرية في اللحوم ومنتجات الألبان، وتجاوزات الملوثات الكيماوية والمواد الحافظة والمضافة في المنتجات المصنعة، لتكتمل الصورة الحقيقية لما يدخل أجسامنا يوميا.
فإذا كانت هذه هي حقيقة الطعام، فالنقاش عن نسب الكربوهيدرات والبروتين والدهون يشبه النقاش عن أفضل طريقة للسباحة في نهر ملوث، دون أن نسأل أولا: لماذا هذا النهر ملوث؟ ومن لوثه؟
تكتمل المنظومة ببعد ثالث لا يقل خطورة: العلاج نفسه، فالمضادات الحيوية نعمة طبية لا شك في ذلك، لكنها كثيرا ما تستخدم بمعادلة خاطئة، وصف المضاد الحيوي لمريض دون زرع ميكروبي مسبق يحدد نوع المسبب ودرجة حساسيته، والأخطر من ذلك، وصف المضاد الحيوي لعلاج عدوى فيروسية، وهو خطأ شائع يعرفه المختصون ويتجاهله كثيرون، الفيروس لا يتأثر بالمضاد الحيوي، لكن البكتيريا النافعة في الجسم تتأثر، ومقاومة الجسم تضعف، والحلقة المفرغة تبدأ.
وما ينطبق على المضادات الحيوية ينطبق على كثير من الأدوية التي تعالج عرضا وتحدث في الوقت ذاته آثارا جانبية تستدعي أدوية أخرى، وهكذا يجد المريض نفسه في منظومة علاجية متراكمة، كل طبقة فيها تحمل ثمنها الخاص على أعضاء الجسم.
والسؤال هنا ليس لهجوم على الطب ولا على الأطباء، السؤال المنطقي هو: هل نتعامل مع المريض الإنسان في كامل تعقيده؟ أم نتعامل مع عرض معزول في جسد معزول عن سياقه الغذائي ومدي سلامته والبيئي والعلاجي كله؟
الجدل حول اراء طبيب معين كالجدل حول أتكنز من ربع قرن مضي وهو مشابة للجدل حول كثير من الأطباء والمفكرين الصحيين في عالمنا الحالي، حيث يدور في الغالب حول أسئلة من نوع: من على حق؟ من المدعوم؟ من يكذب؟ من المتضرر؟
لكن الأسئلة الأعمق التي تحتاج إجابات لا تجد من يطرحها بجدية، ما الذي يميز تركيبة الإنسان البيولوجية وكيف تقودنا لفهم احتياجاته الغذائية الحقيقية؟ ما مدى سلامة الغذاء الذي نصل إليه فعلا قبل الحديث عن أفضليته؟ وكيف نضمن أن العلاج لا يضاف إلى المرض بدل أن يحله؟
هل راي معين لانسان خرج للميديا مخطئا أو مصيبا في كل ما يقال؟ ام خليط من الخطأ والصواب ؟ هذا نقاش مشروع ومطلوب، لكن حصر الجدل في شخصه يصرفنا عن الصورة الأكبر، نحن نعيش في عصر يتحدث فيه الجميع عن الصحة، ويتجاهل فيه كثيرون الأسس التي تقوم عليها.
وأخيرا لمن يتصدر الحديث عن التغذية والصحة، سواء كان طبيبا أو مؤثرا أو باحثا، ثمة حقيقة لا تقبل المجاملة، الإنسان ليس نموذجا واحدا، وما ينفع شخصا قد يضر آخر ضررا بالغا، فلتعميم وصفة جاهزه "للخطأ".
مريض الكلية يختلف جذريا عن مريض الكبد في احتياجاته الغذائية، فكيف بمن يعاني من الاثنين معا؟ نظامه الغذائي حساس بالغ الدقة، وأي توصية عامة قد تكون في حقه خطأ طبيا، الطفل في مرحلة النمو ليس نسخة مصغرة من البالغ؛ جسده يبني ولا يصون فقط، واحتياجاته تختلف اختلافا جوهريا، والمسن الذي يفقد كتلته العضلية تدريجيا يحتاج معادلة مختلفة تماما عمن يسعى لخفض وزنه أو زيادته.
هذا التنوع ليس تناقضا يربك المشهد، بل هو تعقيد حقيقي في طبيعة الإنسان يجب أن يحترم ويأخذ في الاعتبار، وتقييم أي حالة تقييما حقيقيا يستلزم النظر في أبعاد متعددة في وقت واحد: التركيبة البيولوجية للشخص، وحالته المرضية الراهنة، وعمره ومرحلة حياته، وطبيعة الطعام المتاح له وسلامته، والأدوية التي يتناولها، والبيئة التي يعيشها، بعض هذه الأبعاد قد تبدو متضاربة، لكن التضارب الظاهر هو انعكاس لتعقيد الإنسان نفسه، لا دليل على تناقض في العلم.
والأهم من النقاش النظري كله أن يتحول الوعي إلى فعل رقابي ملموس، فعلى صعيد المنتجات الحيوانية، لا يكفي الحديث عن فوائد اللحوم أو أضرارها دون الحديث عن جودة الأعلاف المقدمة للدواجن والماشية، ونوعية المياه في مزارع الأسماك التي باتت مصدرا رئيسيا للبروتين في كثير من الأسر، ويضاف إلى ذلك الرقابة الصارمة على الأدوية البيطرية المستخدمة، وهو ما يستلزم تحديدا احترام فترات الانسحاب الكافية قبل طرح اللحوم والألبان للاستهلاك، حتى لا تصل متبقيات هذه الأدوية إلى أجسام المستهلكين، وفي السياق ذاته، يبقى استخدام محفزات النمو في تربية الحيوانات ملفا مفتوحا يحتاج رقابة حقيقية لا إجراءات ورقية.
وعلى صعيد المنتجات النباتية، لا يقل الأمر خطورة، فمتبقيات المبيدات في الخضروات والفاكهة تمثل تهديدا صامتا يوميا، لاسيما حين لا تحترم فترات الأمان بين آخر رشة مبيد وموعد الحصاد، أما محفزات النمو النباتية، التي تضخ لتسريع الإنتاج وتحسين المظهر الخارجي للمحصول وجودته ( وهي ليست سلامته) ، فهي الأخرى بحاجة إلى منظومة رقابية فعلية تحمي المستهلك لا تكتفي بإصدار التعليمات.
وفي كل هذا يبقى قرار صرف المضادات الحيوية نموذجا صارخا لما يمكن إصلاحه يجب أن يسبقه تحليل يحدد المسبب ودرجة حساسيته، لا أن يكون استجابة تلقائية لكل عرض، فالمضاد الحيوي الذي يصرف دون تشخيص دقيق لا يعالج مرضا، بل قد ينتج مقاومة تعقد العلاج في المستقبل وتثقل الجسم بأعباء إضافية.
حين نفهم من نحن تشريحيا، وماذا نأكل حقا، وكيف نعالج فعلا، وحين ندرك أن كل إنسان حالة فريدة لا وصفة جاهزة عندها فقط يصبح النقاش عن الصحة نقاشا حقيقيا، وعندها فقط نستطيع تقييم أي طبيب أو فكرة أو نظام بما يستحق من العدل والموضوعية.












مصرع عاملين بعد سقوطهما من أعلى سقالة في الطابق الرابع بمدينة...
محكمة الجنايات الاقتصادية تقضى ببراءة مرتضى منصور
القبض على المتهم بطعن طالب بجامعة الأزهر، بسلاح أبيض أودت بحياته.
تأجيل محاكمة طبيب تجميل متهم بالتسبب في وفاة عروس حلوان لـ17 مايو
سعر الذهب اليوم الأحد 19 أبريل 2026 في مصر
تراجع سعر الدولار أمام الجنيه المصري اليوم
استقرار سعر الدولار أمام الجنيه اليوم في البنوك المصرية
أسعار الذهب اليوم في مصر الثلاثاء 14 ابريل